FEATUREDGeneralNewsTOP STORIES

مخيم عين الحلوة في لبنان… انفراجٌ مؤجل أم انفجارٌ قادم؟



مخيم عين الحلوة يدخل في مرحلة أمنية شديدة الحساسية خلال الفترة الممتدة من النصف الثاني من عام 2025 وصولاً إلى آب 2026، إذ لم يعد المشهد مقتصراً على الاشتباكات التقليدية بين الفصائل، بل برزت مجدداً عمليات إطلاق نار واغتيالات واستهداف لكوادر فلسطينية، إلى جانب إشكالات فردية وعائلية تحولت في أكثر من مناسبة إلى استخدام للسلاح، ما يعكس استمرار وجود سلاح خارج السيطرة الكاملة للجهات الأمنية الرسمية داخل المخيم. ففي 13 آب/أغسطس 2025 وقع إشكال فردي بين شخصين محسوبين على حركة فتح، ماجد عثمان وماجد العراقي، على خلفية خلاف عائلي قديم، وتطور الأمر إلى تبادل لإطلاق النار أدى إلى إصابة خمسة أشخاص، قبل أن تعمل الفصائل والفعاليات المحلية على احتواء الحادث. وفي 1 أيلول/سبتمبر 2025 تطور إشكال عائلي آخر إلى إطلاق نار وسقوط عدد من الإصابات، في مؤشر على أن السلاح لم يعد مرتبطاً فقط بالصراع السياسي أو الفصائلي، بل أصبح حاضراً أيضاً في النزاعات المحلية والشخصية.

وفي 18 تشرين الثاني/نوفمبر 2025 دخل المخيم مرحلة مختلفة مع تعرضه لغارة إسرائيلية أسفرت، وفق وزارة الصحة اللبنانية، عن مقتل 13 شخصاً وإصابة أربعة آخرين، بعدما استهدفت الغارة موقعاً داخل المخيم، وتحدثت التقارير عن استهداف مركز تدريب، بينما نفت حركة حماس الرواية الإسرائيلية المتعلقة بطبيعة الهدف. وشكلت الحادثة تطوراً بالغ الحساسية لأنها نقلت المخيم من دائرة التوترات الداخلية إلى دائرة الاستهداف العسكري المباشر ضمن الحرب الإقليمية، وأعادت طرح مسألة وجود بنى عسكرية أو تنظيمية داخل المخيم ومدى انعكاس ذلك على أمن سكانه.

وفي 29 آذار/مارس 2026 عاد إطلاق النار إلى الواجهة من خلال محاولة اغتيال استهدفت عماد شحادة المعروف بلقب «السريع»، وهو من مرافقي شقيق اللواء منير المقدح، وذلك عند مفرق سوق الخضار في الشارع التحتاني، حيث أعقب محاولة الاغتيال إطلاق نار كثيف وإلقاء قنابل، وأصيب المستهدف وشخص آخر بالخطأ، ونُقل الجريحان إلى مستشفى خارج المخيم. وتكتسب هذه الحادثة أهمية أمنية لأنها أظهرت استمرار قدرة أفراد أو مجموعات داخل المخيم على تنفيذ عمليات مسلحة سريعة في مناطق مأهولة، بعيداً عن إطار الاشتباك الفصائلي الواسع.

لكن التطور الأخطر خلال عام 2026 وقع في 14 حزيران/يونيو، عندما تعرض قيادي في حركة فتح يُعرف باسم محمد فتحي، واسمه محمد السعدي بحسب مصادر أخرى، لإطلاق نار داخل المخيم أثناء وجوده أمام مكتب لحركة فتح في منطقة الحبسة، برفقة الضابط في قوات الأمن الوطني الفلسطيني هيثم الغوطاني. أدى إطلاق النار إلى مقتل محمد فتحي وإصابة الغوطاني بجروح خطيرة، قبل أن يتوفى متأثراً بإصابته، وبذلك تحولت العملية إلى اغتيال مزدوج طال اثنين من عناصر البنية الأمنية التابعة لحركة فتح، وأعقبها توتر واستنفار داخل المخيم.

هذه العملية أعادت إلى الواجهة السؤال الأخطر حول الجهة القادرة على تنفيذ اغتيالات دقيقة داخل عين الحلوة، خصوصاً أن العملية وقعت في وضح النهار واستهدفت شخصيتين مرتبطتين مباشرة بالأمن الوطني الفلسطيني. إلا أن المعطيات المتاحة علناً حتى الآن لا تسمح بالجزم بأن جهة تكفيرية أو إسلامية محددة تقف وراء العملية، ولذلك يجب التعامل مع أي اتهام من هذا النوع باعتباره فرضية تحتاج إلى إثبات قضائي أو أمني، لا حقيقة مكتملة.

وبعد نحو ستة أسابيع فقط جاء تطور أمني جديد أكثر دلالة على حالة الانفلات داخل المخيم، ففي 29 تموز/يوليو 2026 قُتل الفلسطيني محمود البرقجي المعروف بـ«أبو أشرف» بعد تعرضه لإطلاق نار مباشر أثناء وجوده داخل سيارته في الشارع التحتاني، وتحدثت المصادر عن عملية اغتيال محتملة، فيما بقيت دوافع الجريمة والجهة المنفذة غير محسومة. والأخطر أن مسؤولاً في القوة الأمنية الفلسطينية المشتركة في عين الحلوة أقر بعد الحادثة بأن القوة غير قادرة على منع مثل هذه الجرائم، وقال إن الدوافع ما زالت مجهولة وإن الوضع لا يمكن أن يتحول إلى حالة يأخذ فيها كل شخص حقه بيده.

وتداولت بعد اغتيال البرقجي معلومات محلية عن أسماء مشتبه بهم، إلا أن بعضها بقي ضمن نطاق التداول الإعلامي ولم يثبت بصورة مستقلة، كما ظهرت رواية أخرى تقول إن البرقجي ربما لم يكن الهدف الأساسي للعملية وأن مقتله جاء عن طريق الخطأ، وهي رواية لم يتم التحقق منها بشكل مستقل حتى الآن، ولذلك لا يمكن اعتمادها في تقييم أمني نهائي.

وبذلك يظهر التسلسل الأمني خلال الفترة الأخيرة على شكل انتقال تدريجي من الإشكالات الفردية والعائلية وإطلاق النار المحدود خلال صيف 2025، إلى تعرض المخيم لضربة إسرائيلية كبيرة في تشرين الثاني، ثم عودة عمليات الاغتيال ومحاولات الاغتيال خلال آذار وحزيران وتموز 2026. والأهم أن العمليات الأخيرة لم تأخذ شكل معركة فصائلية مفتوحة كما حصل في 2023، بل ظهرت بصورة عمليات إطلاق نار مركزة واغتيالات في الشوارع، وهو تطور يستوجب مراقبة دقيقة لأنه قد يعني انتقال الصراع من مرحلة الاشتباك الجماعي إلى مرحلة الاغتيالات الفردية وتصفية الحسابات الأمنية.

أما في الوضع الحالي، وحتى 9 آب/أغسطس 2026، فإن أبرز ما يميز عين الحلوة هو استمرار الهشاشة الأمنية رغم المسار السياسي المتعلق بتسليم السلاح الفلسطيني للدولة اللبنانية، واستمرار وجود قوة أمنية فلسطينية مشتركة داخل المخيم لكنها تواجه حدوداً واضحة في قدرتها على منع الجرائم أو ملاحقة المنفذين. كما أن آثار اشتباكات آب/أغسطس 2023 ما زالت حاضرة على الأرض، وما زالت بعض منشآت الأونروا وأجزاء من المخيم مرتبطة بملف إعادة التأهيل، وهو ما ظهر خلال زيارة وفد دبلوماسي وأممي إلى المخيم في 29 تموز/يوليو 2026.

ومن الناحية الأمنية، لا تظهر المعطيات الحالية أن المخيم دخل مرحلة حرب مفتوحة بين فتح والمجموعات الإسلامية على غرار 2023، لكن سلسلة الاغتيالات ومحاولات الاغتيال خلال 2026، إلى جانب الإشكالات المسلحة، تشير إلى أن مشكلة السلاح والانفلات الأمني لم تُحل بالكامل، وأن انتقال مسؤولية السلاح تدريجياً إلى الدولة اللبنانية لا يعني تلقائياً انتهاء نفوذ القوى المسلحة داخل المخيم. وهنا تكمن النقطة الأساسية التي ينبغي أن يبنى عليها التحقيق اللاحق: هل نحن أمام مرحلة تفكيك تدريجي للمنظومة المسلحة داخل عين الحلوة، أم أمام إعادة توزيع للنفوذ بحيث تنتقل القوة من الفصائل الكبيرة والمنظمة إلى مجموعات أصغر وأكثر صعوبة في الضبط؟

وفي ضوء المعطيات المتاحة حتى الآن، فإن اغتيال محمد فتحي وهيثم الغوطاني في حزيران، ثم اغتيال محمود البرقجي «أبو أشرف» في تموز، يمثلان أهم حادثتين أمنيتين داخليتين في عين الحلوة خلال الأشهر الأخيرة، بينما تبقى محاولة اغتيال عماد شحادة في آذار والحوادث المسلحة الفردية خلال 2025 مؤشرات إضافية إلى استمرار انتشار السلاح. أما الربط المباشر بين هذه العمليات وبين جماعات تكفيرية محددة، فلا ينبغي تثبيته في التقرير قبل ظهور أدلة أو نتائج تحقيقات موثوقة، خصوصاً أن بعض المعلومات المتداولة حالياً لا تزال في إطار الاتهام أو الرواية المحلية غير المثبتة.
في عين الحلوة برزت خلال السنوات الماضية مجموعة من الفصائل والتنظيمات الفلسطينية والإسلامية، ويمكن تقسيمها بحسب طبيعة حضورها التاريخي إلى فصائل فلسطينية رئيسية وتنظيمات إسلامية متشددة، مع ضرورة التنبيه إلى أن بعض هذه التنظيمات تفكك أو تغيرت بنيتها ولم يعد من الصحيح اعتبارها جميعاً قائمة بالشكل نفسه اليوم. حركة فتح بقيت القوة الفلسطينية الأساسية داخل المخيم، إلى جانب حماس والجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية والجبهة الديمقراطية وسائر فصائل منظمة التحرير، بينما برز في الجانب الإسلامي تنظيم عصبة الأنصار الإسلامية، التي ارتبط اسمها تاريخياً بالشيخ عبد الكريم السعدي المعروف بـ«أبو محجن»، إلى جانب أبو طارق السعدي ووفيق عقل المعروف بـ«أبو شريف» كأسماء بارزة في قيادة أو تمثيل العصبة في مراحل مختلفة. وقد ارتبط حضور العصبة تاريخياً بأحياء ومناطق منها الصفصاف، كما وردت في مصادر أقدم إشارات إلى نفوذ لها في الطوارئ وطيطبا والزيب، إلا أن هذه المعطيات تاريخية ولا تصلح وحدها لوصف انتشار العصبة الحالي في عام 2026.

أما «تجمع الشباب المسلم» فكان إطاراً جمع في مرحلة معينة مجموعات إسلامية متشددة متعددة، وارتبط به عدد من الأسماء أبرزها بلال بدر وأسامة الشهابي، مع ارتباط أسماء أخرى سابقة بجند الشام وفتح الإسلام. وقد ذكرت مصادر صحفية أن التجمع أُعلن حله عام 2016، ولذلك من الأدق التعامل معه في التقرير كإطار تاريخي مهم لفهم بنية الجماعات المسلحة في عين الحلوة، وليس كتنظيم موحد قائم بالضرورة حتى اليوم. وفي مرحلة اشتباكات 2023، وصفت مصادر إعلامية وجود مجموعات مرتبطة بهذا التيار في ثلاثة مربعات داخل المخيم هي الطوارئ–التعمير، والصفصاف–المنشية، وحطين، وهي معلومات تعود إلى سياق أحداث 2023 وليست خريطة انتشار حالية.

أما بلال بدر، فهو من أبرز الأسماء التي ارتبطت تاريخياً بالتيار الإسلامي المتشدد في عين الحلوة، وقد قاد مجموعة مسلحة حملت اسمه وبرز نفوذها بصورة خاصة في حي الطيري خلال مرحلة ما قبل معارك 2017. كما ورد اسمه في تقارير ربطته بجند الشام وفتح الإسلام وبالشباب المسلم، ووصِف في مصادر إعلامية بأنه مطلوب للقضاء اللبناني بتهم تتعلق بالإرهاب وجرائم قتل. لذلك يجب أن يظهر اسمه في التقرير ضمن خانة «الشخصيات المرتبطة تاريخياً بالمجموعات المتشددة في عين الحلوة»، لا باعتباره قائداً ميدانياً مثبتاً داخل المخيم في الوقت الحالي.

أما جند الشام وفتح الإسلام، فهما من أهم التنظيمات التي يجب أن تظهر في التسلسل التاريخي للتيارات المتشددة داخل عين الحلوة، إذ تداخل عناصر من التنظيمين لاحقاً مع إطار «الشباب المسلم»، وارتبط اسم بلال بدر وأسامة الشهابي وعدد من المطلوبين بهذا المسار. كما ظهر في مراحل مختلفة تداول إعلامي حول وجود مؤيدين لجبهة النصرة وتنظيم الدولة الإسلامية داخل المخيم، لكن لا يجوز تحويل هذه التقارير القديمة إلى إثبات بأن داعش أو النصرة تمتلكان اليوم تنظيماً مستقلاً أو منطقة سيطرة داخل عين الحلوة من دون دليل حديث مستقل.

وبالنسبة إلى التوزيع الجغرافي التاريخي، فإن أكثر المناطق التي تتكرر في المصادر عند الحديث عن الجماعات الإسلامية المسلحة هي الطوارئ والتعمير، ثم الصفصاف والمنشية وحطين، بينما ارتبط بلال بدر بصورة خاصة بحي الطيري في مرحلة سابقة، وارتبطت عصبة الأنصار بحضور واضح في الصفصاف. أما فتح فكان انتشارها أوسع بكثير وممتداً في عدة أحياء ومناطق من المخيم. هذه الخريطة يجب قراءتها باعتبارها خريطة نفوذ تاريخي خلال مراحل الصراع السابقة، وليست خريطة أمنية حالية لعام 2026.

وبالتالي فإن الأسماء الأساسية التي تستحق أن تُدرج في ملف عين الحلوة عند دراسة التيارات الإسلامية المسلحة تاريخياً هي: عصبة الأنصار الإسلامية – عبد الكريم السعدي «أبو محجن»؛ الشباب المسلم – إطار جمع مجموعات متشددة وارتبط به أسامة الشهابي وبلال بدر؛ بلال بدر – قائد مجموعة مسلحة حملت اسمه وارتبط نفوذها سابقاً بحي الطيري؛ جند الشام – تنظيم سابق تداخل بعض عناصره لاحقاً مع أطر أخرى؛ فتح الإسلام – تنظيم سابق تداخل عدد من عناصره مع الشباب المسلم؛ وجبهة النصرة وداعش باعتبارهما تيارين ارتبط بهما أفراد أو مجموعات داخل المخيم وفق تقارير سابقة، من دون إثبات علني كافٍ على وجود بنية تنظيمية مستقلة لهما داخل المخيم في الوقت الراهن.

د.جمال خليفة