GeneralTOP STORIES

سوريا أمام اختبار الدولة: من ضبط الميدان إلى تثبيت الشرعية

تدخل الساحة السورية مرحلة شديدة الحساسية، تبدو فيها الحكومة الانتقالية أمام اختبار يتجاوز إدارة المرحلة التي أعقبت سقوط نظام بشار الأسد، باتجاه محاولة تثبيت مؤسسات الدولة وإعادة بناء منظومة سياسية وأمنية وعسكرية قادرة على فرض القرار المركزي على كامل الجغرافيا السورية. وتتحرك دمشق في أكثر من اتجاه في الوقت نفسه، بدءًا من إعادة تنظيم المؤسسة العسكرية والأمنية، مرورًا بإعادة ترتيب الإدارة المدنية، وصولًا إلى تشكيل المؤسسات السياسية الانتقالية وفتح ملفات العدالة والمحاسبة، فيما لا تزال ملفات السيطرة الفعلية على كامل الأراضي، ودمج القوى المسلحة، والعلاقة مع المكونات المحلية، والتدخلات الإقليمية والدولية تشكل عوامل ضغط أساسية على مسار الانتقال.

وفي الجانب الأمني تحديدًا، برزت في 19 تموز/يوليو 2026 حزمة تعيينات حملت دلالة واضحة على محاولة إعادة ترتيب مركز القرار الأمني. فقد عُيّن وزير الداخلية أنس خطاب مديرًا لمكتب الأمن الوطني مع احتفاظه بمنصبه وزيرًا للداخلية، وعُيّن حسين السلامة معاونًا لمدير مكتب الأمن الوطني، وملهم الشنتوت معاونًا لوزير الداخلية للشؤون الأمنية، فيما عُيّن عبد القادر طحان رئيسًا لجهاز الاستخبارات العامة. ويكتسب جمع أنس خطاب بين وزارة الداخلية ومكتب الأمن الوطني أهمية خاصة، لأن مكتب الأمن الوطني يمثل مستوى تنسيقيًا أعلى بين المؤسسات والأجهزة الأمنية، بينما يتولى جهاز الاستخبارات العامة جمع المعلومات وتقديم التقييمات المرتبطة بالأمن القومي ومكافحة التجسس والإرهاب. وبالتالي فإن التعيينات لا تبدو مجرد تبديل أسماء، بل تحمل رسالة باتجاه تقليص التداخل بين الأجهزة وتركيز التنسيق والقرار الأمني في بنية أكثر وضوحًا.

ويأتي تعيين عبد القادر طحان في رئاسة جهاز الاستخبارات العامة ضمن الاتجاه نفسه، إذ يمثل انتقالًا من مرحلة تأسيس الأجهزة الجديدة إلى مرحلة تثبيت قياداتها وتحديد مسؤولياتها. ووفق المعطيات المنشورة، كان طحان قد شغل سابقًا منصب نائب وزير الداخلية، وبرز خلال سنوات الحرب ضمن التشكيلات العسكرية التي شاركت في مسار إسقاط النظام السابق، قبل انتقاله إلى مواقع داخل المنظومة الأمنية الجديدة. أما حسين السلامة، الذي عُيّن معاونًا لمدير مكتب الأمن الوطني، فقد سبق له تولي رئاسة جهاز الاستخبارات، في حين انتقل ملهم الشنتوت إلى موقع معاون وزير الداخلية للشؤون الأمنية بعد أدوار سابقة في الأمن الداخلي.

وتكشف هذه التعيينات أن دمشق تحاول بناء تسلسل واضح بين العمل الأمني الميداني، وجمع المعلومات، والتنسيق الوطني بين الأجهزة، وهي خطوة أساسية إذا كانت الحكومة تريد الانتقال من تعدد مراكز القوة التي فرضتها سنوات الحرب إلى مفهوم المؤسسة الأمنية التابعة للدولة. لكن نجاح هذا المسار لن يقاس بعدد التعيينات، وإنما بقدرة القيادة الجديدة على توحيد القرار الأمني، وضبط السلاح، ومنع ظهور مراكز أمنية موازية، وربط العمل الأمني بالقانون والمؤسسات القضائية.

وعلى المستوى العسكري، يبقى التحدي الأكبر هو استكمال عملية دمج الفصائل والتشكيلات المسلحة داخل مؤسسة عسكرية واحدة، بحيث يصبح قرار الحرب والسلم واستخدام القوة مرتبطًا بالدولة وليس بالولاءات المحلية أو الفصائلية. وهذا الملف يتقاطع مباشرة مع ملفات قسد، والجنوب السوري، والساحل، ومناطق أخرى لا تزال فيها معادلة السيطرة والولاءات أكثر تعقيدًا من مجرد الانتشار العسكري. ولذلك فإن الحديث عن استعادة الدولة يجب أن يُقاس بمدى قدرة دمشق على احتكار القرار الأمني والعسكري والإداري، وليس فقط بمدى اتساع المناطق التي تنتشر فيها قوات الحكومة.

وفي موازاة إعادة بناء الأمن، تتحرك الحكومة الانتقالية باتجاه تثبيت مؤسسات سياسية جديدة. فقد أصبح مجلس الشعب الانتقالي قائمًا بالفعل، ويتكون من 210 أعضاء، ينتخب ثلثاهم عبر الهيئات الناخبة، بينما يعيّن رئيس الجمهورية الثلث المتبقي، أي 70 عضوًا. وبدأ المجلس عمله في مرحلة يفترض أن تكون مهمته الأساسية إنتاج التشريعات التي تحتاجها المرحلة الانتقالية والمساهمة في المسار الدستوري. وهذه النقلة مهمة لأنها تنقل سوريا من إدارة السلطة بقرارات تنفيذية إلى محاولة إنشاء إطار تشريعي مؤسسي للمرحلة الجديدة.

ومن المتوقع أن يتحول مجلس الشعب تدريجيًا إلى مساحة لظهور تيارات وكتل سياسية سورية جديدة، حتى وإن لم يكن تشكيله قائمًا بالكامل على انتخابات حزبية مباشرة. وسيكون من المهم مراقبة طبيعة الاصطفافات التي ستظهر داخله، وما إذا كانت ستتخذ طابعًا مناطقيًا أو سياسيًا أو مدنيًا أو محافظًا أو إسلاميًا، ومدى تمثيلها للمكونات السورية المختلفة. وبالتالي فإن المجلس قد يصبح خلال المرحلة المقبلة مؤشرًا أساسيًا على قدرة السلطة الانتقالية على إنتاج حياة سياسية تتجاوز منطق الفصائل والقوى التي حكمت المرحلة السابقة.

وفي الجانب القضائي، دخل ملف محاسبة رموز النظام السابق مرحلة أكثر حساسية مع صدور أحكام قضائية بحق عدد من أبرز المسؤولين السابقين، الأمر الذي يضع الحكومة أمام معادلة دقيقة بين تحقيق العدالة ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات من جهة، وضمان أن تتحول المحاكمات إلى مسار قضائي قائم على الأدلة والمسؤولية الفردية وضمانات المحاكمة العادلة من جهة أخرى. فنجاح العدالة الانتقالية سيكون عنصرًا أساسيًا في شرعية الدولة الجديدة، بينما قد يؤدي أي انحراف نحو الانتقام السياسي أو المحاسبة الجماعية إلى إعادة إنتاج الانقسامات التي تحاول الحكومة تجاوزها.

أما الدستور الجديد، فيمثل الاختبار السياسي الأهم للمرحلة الانتقالية، لأن الإعلان الدستوري الحالي يؤسس لإطار مؤقت وليس نهاية المسار الدستوري. وستكون المسودة المقبلة مطالبة بالإجابة عن أسئلة جوهرية تتعلق بصلاحيات رئيس الجمهورية، وتوازن السلطات، ودور مجلس الشعب، واستقلال القضاء، وطبيعة الإدارة المحلية، وحقوق المكونات، وموقع المؤسسة العسكرية والأمنية داخل الدولة. لذلك فإن الدستور لن يكون مجرد وثيقة قانونية، بل سيكون التعبير النهائي عن شكل الدولة التي تريد السلطة الانتقالية بناءها.

وبذلك تبدو سوريا أمام مرحلة مفصلية ينتقل فيها التحدي من السيطرة على العاصمة وإدارة انهيار النظام السابق إلى بناء دولة قادرة على احتكار السلاح والقرار الأمني، وإعادة تنظيم المؤسسة العسكرية، وتثبيت الإدارة المدنية، وإطلاق مسار سياسي وتشريعي ودستوري جديد. وتكشف التعيينات الأمنية الأخيرة، وفي مقدمتها جمع أنس خطاب بين وزارة الداخلية وإدارة مكتب الأمن الوطني وتعيين عبد القادر طحان على رأس الاستخبارات العامة، عن محاولة واضحة لإعادة ترتيب مركز القرار الأمني وتوحيد عمل الأجهزة.

لكن الاختبار الحقيقي أمام الحكومة الانتقالية لن يكون في إصدار القرارات أو تعيين المسؤولين، بل في قدرتها على تحويل هذه القرارات إلى مؤسسات مستقرة وفاعلة، وعلى فرض القانون بصورة متساوية، ودمج القوى المسلحة، وضمان تمثيل سياسي أوسع، وإدارة ملف العدالة دون انتقام، ثم الوصول إلى دستور يحدد شكل الدولة الجديدة. وإذا نجحت دمشق في الجمع بين ضبط الميدان وبناء المؤسسات، فقد تكون سوريا أمام انتقال تدريجي من مرحلة الثورة والصراع إلى مرحلة الدولة والشرعية؛ أما إذا بقيت مراكز القوة موزعة أو بقيت الملفات الأمنية والسياسية الحساسة بلا تسويات مؤسساتية، فإن المرحلة الانتقالية ستظل عرضة للاهتزاز، مهما بدا أن مركز السلطة في دمشق أصبح أكثر تماسكًا.

د.جمال خليفة