Breaking NewsFEATUREDGeneralNewsTOP STORIES

الخليج بعد العاصفة هل يولد نظام أمني جديد من اليمن إلى إيران… ؟

تشهد الساحة الخليجية مرحلة شديدة الحساسية تتداخل فيها التطورات العسكرية والأمنية والسياسية من اليمن والبحر الأحمر وصولاً إلى إيران ومضيق هرمز، بحيث لم يعد التهديد مقتصراً على مواجهة عسكرية مباشرة، بل أصبح يأخذ شكلاً متعدد المستويات يشمل الصواريخ والطائرات المسيّرة والتهديدات البحرية والحرب الإلكترونية والضغط على منشآت الطاقة والموانئ والممرات التجارية. وفي المقابل يبدو مجلس التعاون أمام اختبار حقيقي لقدرة دوله على إدارة الأزمة بصورة جماعية والمحافظة على تماسك القرار السياسي والأمني في مواجهة أي اعتداء يستهدف إحدى دوله.

الموقف الخليجي يتجه بصورة متزايدة نحو اعتبار أمن دول المجلس منظومة واحدة، وهو ما يعني أن أي تصعيد ضد دولة خليجية يمكن أن يُقرأ باعتباره تهديداً للمجموعة بأكملها، وليس حادثاً منفرداً يخص دولة بعينها. ومن هنا فإن ضبط الميدان لا يعني بالضرورة الانتقال إلى مواجهة مفتوحة، بل يعني رفع مستوى التنسيق الاستخباري والدفاعي، حماية المنشآت الحيوية، تأمين المجالين البحري والجوي، وامتلاك القدرة على الردع ومنع الخصم من فرض إيقاعه على دول المجلس. وتزداد أهمية هذا الاتجاه في ظل استمرار التوتر الإقليمي وتعدد مصادر التهديد.

أما احتمال انتقال المواجهة إلى الداخل الخليجي، فيبقى أحد السيناريوهات التي يجب أن تؤخذ بجدية أمنية، ولكن باعتبارها فرضية وليست حقيقة مثبتة. ففي حال عجز أي طرف معادٍ عن تحقيق أهدافه بواسطة الضربات المباشرة، يمكن أن يلجأ إلى أدوات أقل وضوحاً مثل شبكات التجسس، التخريب، الحرب السيبرانية، استهداف المصالح والمنشآت الحساسة، الضغط على البعثات الدبلوماسية، أو محاولة تحريك مجموعات صغيرة لتنفيذ عمليات محدودة بهدف إرباك الدولة وإظهار أن الجبهة الداخلية قابلة للاختراق. لذلك فإن الخطر الحقيقي في هذه المرحلة لا يرتبط بجنسية أو طائفة محددة، وإنما بوجود إمكانية لتوظيف أفراد أو خلايا من بيئات مختلفة ضمن عمليات سرية تديرها أو تمولها أو توجهها جهات خارجية معادية. وفي المقابل تستطيع الدول الخليجية الحد من هذا السيناريو عبر العمل الوقائي، وتبادل المعلومات، ومراقبة التمويل والاتصالات، وحماية المنشآت والبعثات والمصالح الحيوية.

اتفاق مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان لا يبدو في صورته الحالية مشروعاً لإلغاء مجلس التعاون الخليجي، وإنما يمثل طبقة أمنية إضافية خارج الإطار الخليجي المباشر. فالاتفاق يقوم على اعتبار الاعتداء المسلح على إحدى الدول الثلاث اعتداءً على الجميع، ويمنح السعودية مجالاً أوسع لبناء شبكة ردع تمتد إلى قوى إقليمية ذات قدرات عسكرية وصناعية واستراتيجية كبيرة. ومن الناحية السياسية، فإن أهميته لا تكمن فقط في بنوده العسكرية، بل في الرسالة التي يحملها: دول المنطقة لم تعد تريد أن تكون منظومة أمنها مرتبطة بمظلة واحدة، بل تسعى إلى بناء شبكة متعددة الأطراف تستطيع من خلالها توزيع المخاطر ورفع كلفة أي اعتداء.

أما عدم دخول مجلس التعاون الخليجي ككتلة في اتفاق مكة، فيمكن تفسيره بأن المجلس يمتلك أصلاً أطره السياسية والأمنية والعسكرية الخاصة، بينما الاتفاق الثلاثي صيغ باعتباره شراكة دفاعية بين ثلاث دول لها مصالح وقدرات محددة. كما أن دخول المجلس بكامل أعضائه كان سيجعل الاتفاق أكثر تعقيداً من الناحية السياسية والعسكرية، لأن كل دولة خليجية لديها حساباتها الخاصة في علاقتها مع إيران وتركيا وباكستان والولايات المتحدة. لذلك يمكن أن يكون الهدف هو عدم استبدال منظومة مجلس التعاون، بل إنشاء دائرة تعاون دفاعي موازية يمكن أن تتقاطع معه عند الحاجة.

ومن هذه الزاوية فإن اتفاق مكة قد يعزز مجلس التعاون بصورة غير مباشرة إذا بقي إطاراً مكملاً له، لأنه يمنح بعض دوله عمقاً دفاعياً إضافياً وشبكة علاقات عسكرية أوسع. لكنه قد يتحول إلى عامل منافسة للمجلس إذا توسعت آلياته تدريجياً وأصبح هو الإطار الرئيسي لتنسيق الدفاع الإقليمي بينما تراجع دور المؤسسات الخليجية المشتركة. ولذلك فإن مستقبل العلاقة بين الإطارين سيعتمد على ما إذا كان التعاون الجديد سيُدار باعتباره مكملاً للأمن الخليجي أم بديلاً عنه.

في المقابل، من الصعب اعتبار الوجود الأميركي في الخليج مسألة انتهت مع تعرض بعض المنشآت والأصول للاستهداف. السيناريو الأكثر ترجيحاً ليس مجرد إعادة بناء القواعد بالطريقة السابقة، وإنما إعادة تنظيم الوجود العسكري الأميركي بما يجعله أقل عرضة للاستهداف المباشر. وقد يعني ذلك تعزيز التحصينات، توزيع الأصول العسكرية، تطوير الدفاعات الجوية والصاروخية، زيادة الاعتماد على المنشآت البديلة، وتوسيع استخدام القدرات البحرية والجوية المتحركة. وبالتالي فإن السؤال الحقيقي ليس هل ستعود الولايات المتحدة إلى قواعدها، وإنما كيف ستعيد تشكيل وجودها العسكري بحيث يصبح أكثر مرونة وأقل كلفة وأكثر قدرة على البقاء في بيئة إقليمية شديدة الخطورة.

أما اليمن فيمثل إحدى أهم حلقات الضغط على الأمن الخليجي، لأن الجغرافيا تجعل أي تصعيد هناك مرتبطاً مباشرة بأمن البحر الأحمر والممرات التجارية وبالأمن السعودي والخليجي. ولذلك فإن استمرار التوتر في اليمن قد يبقى وسيلة ضغط غير مباشرة حتى في حال تجنب الأطراف الرئيسية الدخول في مواجهة شاملة. ومن هنا فإن ضبط الجبهة اليمنية لا ينفصل عن ضبط البحر الأحمر ولا عن حماية المنشآت والممرات البحرية الخليجية.

وعلى المستوى الأوسع، فإن المشهد الحالي يشير إلى انتقال تدريجي من مفهوم الأمن الخليجي التقليدي إلى مفهوم أكثر تعقيداً يقوم على تعدد الشركاء والطبقات الدفاعية. مجلس التعاون يبقى الإطار الخليجي الأساسي، بينما توفر الشراكات الجديدة مع قوى إقليمية مثل تركيا وباكستان عمقاً إضافياً، وتبقى الولايات المتحدة صاحبة حضور عسكري واستراتيجي مؤثر. وبين هذه المستويات تتحرك دول الخليج نحو بناء قدرة ذاتية أكبر على حماية أراضيها ومصالحها.

والسيناريو الأخطر في المرحلة المقبلة ليس بالضرورة اندلاع حرب شاملة، بل تحول الصراع إلى حرب استنزاف متعددة الأدوات: ضغوط بحرية، ضربات محدودة، مسيّرات، صواريخ، هجمات سيبرانية، عمليات تخريب، تجسس، واستهداف مصالح ومرافق حساسة. وفي هذه الحالة تصبح قدرة دول الخليج على حماية الجبهة الداخلية ومنع الاختراق الأمني لا تقل أهمية عن قدرتها على اعتراض الصواريخ والطائرات المسيّرة.

وعليه فإن المرحلة المقبلة قد تشهد إعادة تشكيل فعلية لمنظومة الأمن الإقليمي، بحيث لا يكون مجلس التعاون أمام خيار البقاء أو الانهيار، بل أمام اختبار إعادة تعريف دوره. فإذا استطاع تحويل التضامن السياسي إلى منظومة عملياتية حقيقية في الدفاع الجوي والبحري والاستخبارات والأمن السيبراني وحماية المنشآت، فإنه سيخرج من الأزمة أكثر قوة. أما إذا بقيت الاستجابة موزعة بين تحالفات ثنائية وثلاثية وخارجية، فقد تظهر منظومات أمنية موازية تفرض نفسها تدريجياً على حساب الدور الخليجي.

وللبقية تتمة

د.جمال خليفة