General

ما قبل المعركة الكبرى

تدخل المواجهة الأميركية ـ الإيرانية مرحلة شديدة الحساسية، لا تبدو فيها الوساطات والمفاوضات الجارية خلف الكواليس قادرة حتى الآن على إنتاج تسوية واضحة ونهائية. ومع انتهاء ترتيبات وقف إطلاق النار وعودة لغة التهديد والتصعيد، أعلنت طهران أنها قد تنتقل إلى وضع عسكري أكثر هجومية إذا فشل المسار الدبلوماسي، فيما تقول واشنطن إن المفاوضات ليست في مسار ثابت. وهذا الغموض السياسي لا يعني بالضرورة غياب القرار العسكري، بل قد يكون جزءًا من مرحلة يحاول فيها كل طرف شراء الوقت وتحسين شروطه قبل الجولة المقبلة.

المؤشرات العسكرية بدورها تعطي للمشهد بعدًا مختلفًا. فالحرب الطويلة استنزفت كميات كبيرة من الذخائر الأميركية بعيدة المدى، ووصل الأمر إلى تأجيل أو إعادة ترتيب بعض الإمدادات المخصصة لأوروبا وأوكرانيا لصالح الاحتياجات المرتبطة بالمواجهة في الشرق الأوسط. وهذا لا يكفي وحده للقول إن واشنطن اتخذت قرارًا بحرب جديدة، لكنه يؤكد أن الشرق الأوسط أصبح أولوية عسكرية مباشرة في الحساب الأميركي، وأن إعادة توزيع الموارد أصبحت جزءًا من إدارة الصراع.

في المقابل، تبدو إيران أمام معادلة مختلفة تمامًا. فإذا انتقلت المواجهة إلى حرب واسعة، فإن طهران لن تنظر إليها باعتبارها مواجهة عسكرية محدودة يمكن احتواؤها بجبهة واحدة، وإنما باعتبارها معركة تمس قدرتها على البقاء وعلى الاحتفاظ بنفوذها الإقليمي. ومن هنا يمكن فهم الاستعداد الإيراني لاستخدام مجموعة واسعة من أدوات القوة، المباشرة وغير المباشرة، بهدف منع الولايات المتحدة وحلفائها من حصر المعركة داخل الأراضي الإيرانية.

وتبرز هنا أهمية ما تسميه طهران منذ سنوات «وحدة الساحات». فالشبكة الإيرانية الإقليمية تمتد بدرجات مختلفة من اليمن والعراق وسوريا ولبنان إلى غزة، وقد أظهرت الأشهر الماضية أن هذه الساحات لا تتحرك بالضرورة في توقيت واحد أو بالدرجة نفسها، لكنها تمثل لإيران مجموعة أوراق يمكن استخدامها لرفع كلفة المواجهة وتوزيع الضغط على الخصم. وتشير تقارير حديثة إلى أن طهران عملت خلال فترة التهدئة على تعزيز استعداد حلفائها في اليمن والعراق ولبنان تحسبًا لتوسيع الحرب.

ومن باب المندب قد تبدأ إحدى أكثر حلقات الضغط حساسية، لأن أي تصعيد واسع في اليمن لا يبقى يمنيًا أو إقليميًا فقط، بل ينعكس على الملاحة والطاقة والتجارة الدولية. وفي العراق، تبقى الفصائل المرتبطة بإيران ورقة شديدة الحساسية بسبب وجود القوات والمصالح الأميركية، رغم أن الحكومة العراقية تحاول في الوقت نفسه تعزيز احتكار الدولة للسلاح ومنع تحول أراضيها إلى ساحة مفتوحة للصراع الإقليمي. وهذا يجعل العراق ساحة صراع بين اتجاهين: اتجاه يريد إبقاء قرار الحرب خارج الدولة، واتجاه يحاول حصر القرار الأمني بيد المؤسسات العراقية.

أما لبنان، فيبقى من أكثر الساحات حساسية، لأن أي انتقال إلى مواجهة شاملة قد يعيد إدخال الجبهة اللبنانية في الحساب الإيراني ـ الإسرائيلي بصورة مباشرة، بينما تبقى الدولة اللبنانية أمام معادلة دقيقة بين منع توسع الحرب وبين التعامل مع واقع وجود قوة عسكرية وسياسية مرتبطة بالمحور الإيراني. وفي سوريا، تبدو الصورة أكثر تعقيدًا، لأن قدرة أي طرف على تحويل الأراضي السورية إلى جبهة مستقلة ترتبط بتركيبة الدولة السورية والوجود العسكري الأجنبي وطبيعة التوازنات الجديدة داخل البلاد.

وفي غزة، لا يمكن استبعاد عودة التصعيد إذا اتخذت المواجهة الإقليمية مسارًا أوسع، لكن من الضروري التمييز بين احتمال اشتعال الجبهة الفلسطينية وبين اعتبارها جبهة إيرانية مباشرة. فكل ساحة لها حساباتها المحلية، وقد تتقاطع مصالحها مع إيران من دون أن تكون قراراتها خاضعة بالكامل لطهران.

أما أخطر الاحتمالات فيبقى انتقال جزء من الصراع إلى خارج الشرق الأوسط. فهناك تقارير حديثة تفيد بأن دوائر إيرانية تدرس خيارات للرد على أهداف عسكرية أميركية في جنوب وجنوب شرق أوروبا في حال اتساع الحرب، مع بقاء قدرة طهران الفعلية على تنفيذ مثل هذه الخيارات موضع تقييم. لذلك ينبغي التعامل مع هذا المسار باعتباره سيناريو تصعيد محتملًا، لا باعتباره قرارًا إيرانيًا محسومًا.

وفي هذا السياق، فإن الحديث عن الشبكات والخلايا المرتبطة بإيران يجب ألا يُفهم على أن جميعها ستتحرك في اللحظة نفسها. فالقيمة الاستراتيجية لهذه الشبكات تكمن أيضًا في كون بعضها ورقة احتياطية يمكن الاحتفاظ بها، وبعضها الآخر يمكن استخدامه للضغط أو الردع أو تشتيت الخصم إذا اتسعت المواجهة. وتقارير سابقة وحديثة تحدثت عن إعادة تنظيم شبكات مرتبطة بالحرس الثوري في العراق، ما يعكس أهمية البنية غير المباشرة في الاستراتيجية الإيرانية.

وبذلك، فإن المعركة المقبلة ـ إذا انهار المسار الدبلوماسي واتجهت الأطراف إلى التصعيد ـ لن تكون بالضرورة حربًا تقليدية بين دولتين فقط. قد تتحول إلى مواجهة متعددة الطبقات: ضربات عسكرية مباشرة، ضغط على الملاحة والطاقة، نشاط عبر الحلفاء، صراع استخباري وأمني، وضغوط سياسية واقتصادية تمتد من الخليج إلى شرق المتوسط وربما إلى خارج المنطقة. وتكمن خطورة هذا السيناريو في أن كل جبهة يمكن أن تصبح عاملًا لفتح جبهة أخرى، بما يجعل السيطرة على مسار التصعيد أكثر صعوبة مع مرور الوقت.

وفي المقابل، لا تزال الولايات المتحدة تمتلك مصلحة واضحة في منع تحول هذه الساحات إلى جبهة موحدة. لذلك فإن عامل الوقت الذي يسبق أي قرار كبير يكتسب أهمية استثنائية: واشنطن تحتاج إلى ترتيب قواعدها، مخزوناتها، تحالفاتها، التفاهمات الإقليمية، والغطاء السياسي الذي يسمح لها بخوض مواجهة طويلة إذا اضطرت إليها. وإيران بدورها تحتاج إلى إعادة بناء قدرتها على الردع، وتثبيت أوراق حلفائها، ورفع كلفة أي هجوم أميركي بحيث لا تستطيع واشنطن تحويل المعركة إلى مواجهة محدودة ومسيطر عليها.

لهذا، فإن المرحلة الحالية يمكن قراءتها باعتبارها مرحلة «ما قبل المعركة الكبرى»: مرحلة تحاول فيها واشنطن إعادة تشكيل البيئة المحيطة بالمواجهة، فيما تحاول طهران الحفاظ على أكبر عدد ممكن من أوراق القوة والضغط. والوساطات التي تجري في هذه المرحلة لا تعني بالضرورة أن خيار الحرب قد سقط؛ بل قد تكون آخر محاولة لمنع انتقال الصراع من حرب مباشرة محدودة إلى مواجهة إقليمية واسعة.

وإذا فشلت الوساطات، فقد تجد إيران نفسها أمام خيار استخدام طيف واسع من قدراتها وأوراقها، ليس بهدف خوض معركة متزامنة في كل الساحات بالضرورة، وإنما لمنع خصمها من اختيار مكان الحرب وزمانها وشكلها وحده. ومن هنا تصبح «المعركة الوجودية» مفهومًا مركزيًا في قراءة السلوك الإيراني: فكلما شعرت طهران أن الهدف لم يعد الضغط عليها وإنما تغيير موازين القوة أو تهديد بقاء نظامها، ارتفعت احتمالات انتقالها من استراتيجية الردع والضغط المحسوب إلى استراتيجية أوسع لتوزيع كلفة الحرب على الولايات المتحدة وحلفائها.

الخلاصة أن المنطقة تقف أمام نافذة زمنية شديدة الخطورة. لا توجد حتى الآن أدلة كافية للجزم بأن حربًا إقليمية شاملة ستندلع حتمًا، لكن المؤشرات العسكرية والسياسية والاستراتيجية تتقاطع في اتجاه واحد: الولايات المتحدة وإيران تستعدان لاحتمال مواجهة طويلة، وكل طرف يحاول تحسين موقعه قبل أن تُغلق نافذة الدبلوماسية. وإذا أُغلقت هذه النافذة، فإن السؤال لن يعود فقط: هل ستقع الحرب؟ بل سيصبح السؤال الأخطر: هل تستطيع الأطراف إبقاء الحرب محصورة، أم أن معركة إيران والولايات المتحدة ستفتح في النهاية ساحات المنطقة كلها، من باب المندب إلى الخليج والعراق وسوريا ولبنان وغزة، وربما أبعد من ذلك؟

د.جمال خليفة