لجنة الثلاثمائة: من الحكم السري إلى شبكة النفوذ العالمية… ماذا تكشف الوثائق والبحث الوثائقي حتى عام 2026؟
تعود رواية «لجنة الثلاثمائة» إلى واحدة من أكثر الروايات إثارة للجدل حول طبيعة النفوذ العالمي وتركيز القوة في أيدي دوائر محدودة من النخب، إذ تتحدث الرواية عن منظومة واسعة تضم، بحسب ما أورده الكاتب جون كولمان، عائلات ملكية وأرستقراطية، وشخصيات سياسية ودبلوماسية، ومصرفيين ورجال أعمال، ومفكرين وأكاديميين، إضافة إلى مؤسسات ونوادٍ وجمعيات وشبكات ذات طبيعة علنية أو مغلقة أو سرية. ووفق الرواية التي قدمها كولمان، تعود جذور هذه المنظومة إلى بريطانيا في القرن الثامن عشر، ويُشار إلى عام 1727 باعتباره تاريخ تأسيسها، إلا أن هذا التاريخ لا يستند، حتى الآن، إلى وثيقة تأسيس مستقلة تثبت وجود منظمة تحمل اسم «لجنة الثلاثمائة» في ذلك العام، ولذلك يبقى ضمن الرواية التي قدمها كولمان ولا يمكن التعامل معه باعتباره حقيقة تاريخية محسومة.
ارتبطت فكرة تركّز النفوذ في دائرة محدودة من النخب بعدد من الأحداث والشخصيات التاريخية، ومن بينها تصريح رجل الصناعة والسياسي الألماني فالتر راثيناو عام 1909 عن وجود نحو ثلاثمائة رجل يعرف بعضهم بعضًا ويؤثرون في الحياة الاقتصادية الأوروبية. غير أن هذا التصريح، حتى في سياقه التاريخي، لا يمثل وثيقة تثبت وجود تنظيم عالمي سري باسم «لجنة الثلاثمائة»، وإنما يمثل إحدى المواد التي استُخدمت لاحقًا في بناء هذه الرواية.
جاء التحول الأكبر مع جون كولمان وكتابه «هرمية المتآمرين: قصة لجنة الثلاثمائة»، الذي قدم فيه تصورًا عن هرم عالمي للنفوذ، ووضع في قائمته عددًا كبيرًا من الأسماء التي قال إنها ارتبطت باللجنة أو بدوائرها، وربط بين عائلات ملكية وأرستقراطية وشخصيات مالية وسياسية ومؤسسات بحثية ودولية وجمعيات مغلقة وتنظيمات سرية أو شبه سرية. وتبقى هذه القائمة في أصلها «قائمة كولمان»، أي أنها تمثل ما أورده هو، ولا يجوز تحويل كل اسم فيها تلقائيًا إلى عضو مثبت في تنظيم واحد من دون دليل مستقل.
وتضم قائمة كولمان عائلات ملكية وأرستقراطية أوروبية، من بينها أسرة أورانج، وأسرة براغانزا، وأسرة هوهنتسولرن، وأسرة هابسبورغ-لورين، وأسرة فيتلسباخ، وأسرة تورن أوند تاكسيس، وأسرة سافوي، إضافة إلى دوق ألبا ودوق ديفونشاير ودوق كنت والأمير فيليب دوق إدنبرة والأمير رانييه والملك هاكون ملك النرويج والملك فريدريك التاسع ملك الدنمارك والملكة إليزابيث الثانية والملكة جوليانا والأميرة بياتريكس والملكة مارغريت، كما يورد أسماء عائلات تاريخية أخرى، منها عائلة كابوت وعائلة ديلانو وعائلة جاي وعائلة غالاتين وعائلة ليفينغستون وعائلة وولنبرغ، إلى جانب أسماء وأسر أخرى يربطها كولمان باستمرارية النفوذ عبر الأجيال.
وفي المجال المالي والمصرفي والصناعي تظهر في قائمة كولمان أسماء عائلات ومؤسسات مثل روتشيلد وروكفلر ومورغان وواربورغ وميلون وفاندربيلت وبارينغ ولازارد وشرويدر وأوبنهايمر ووَالنبرغ وتيسن-بورنيميسا وفون فينك وأنييلي، وتظهر أسماء مثل جون جاكوب أستور ووالدورف أستور وديفيد روكفلر وأندرو ميلون وويليام لاريمر ميلون وجون بيربونت مورغان وجيوفاني أنييلي وهنري ديتردينغ وبيتر والنبرغ وغيرهم. ولا يعني ورود هذه الأسماء في قائمة كولمان إثبات وجود عضوية تنظيمية مشتركة بينها، بل إن بعضها يمثل عائلات ومؤسسات ذات نفوذ تاريخي حقيقي، بينما يبقى الربط بينها وبين «لجنة الثلاثمائة» بحاجة إلى أدلة مستقلة.
وفي المجال السياسي والدبلوماسي يورد كولمان أسماء وينستون تشرشل ودين أتشيسون وآرثر بلفور وويلي برانت وجورج بوش وماك جورج بندي وويليام بندي وديفيد لويد جورج وهارولد ماكميلان وأليك دوغلاس-هوم وإدوارد غراي وهنري كيسنجر وجورج شولتز وسيروس فانس وفرانسوا ميتران وأولاف بالمه ودينيس هيلي وجيفري هاو وكيث جوزيف ويوجين روستو وجورج ماكغي وجون ماكلوي وريتشارد غاردنر وغيرهم، كما يورد أسماء مرتبطة بمؤسسات حكومية وعسكرية وأمنية، مثل السير موريس أولدفيلد والسير بيرسي سيليتو والسير وليام وايزمان والسير بيرسي كوكس والسير إريك دريك والسير كينيث سترونغ والسير ديك غولدسميث وايت والسير مانسفيلد كامينغ وغيرهم.
وفي المجال الفكري والأكاديمي يضع كولمان أسماء جون ماينارد كينز وبرتراند راسل وألدوس هكسلي وإتش. جي. ويلز ووالتر ليبمان وهالفورد ماكيندر ودينيس غابور وروبرت هاتشينز وكارل كورش وكورت لوين وغرايسون كيرك وماكس كونشتام وإدوارد بيستل وأوريليو بيتشي وسيدني ويب وفيكتور أوركيدي وجان مونيه، كما يبرز أسماء سيسيل رودس وألفرد ميلنر وليونيل كيرتس وهالفورد ماكيندر، وهي أسماء ارتبطت تاريخيًا بدوائر سياسية وفكرية بريطانية وبالإمبراطورية البريطانية وبشبكات المائدة المستديرة ومجموعة ميلنر. وجود هذه الدوائر التاريخية موثق، لكن تحويلها إلى جزء من تنظيم عالمي مركزي واحد باسم «لجنة الثلاثمائة» يبقى تفسيرًا من تفسيرات كولمان وليس حقيقة أثبتتها وثيقة مستقلة حتى الآن.
وتظهر في رواية كولمان مجموعة واسعة من المؤسسات، من بينها مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي، والمعهد الملكي للشؤون الدولية المعروف باسم تشاتهام هاوس، ومجموعة بيلدربيرغ، واللجنة الثلاثية، ومعهد تافيستوك، ومجموعة المائدة المستديرة، ومجموعة ميلنر، وجمعية فابيان، وجمعية مون بيليرين، ونادي روما، والمعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، إلى جانب مؤسسات مالية وصناعية ومراكز بحثية وجمعيات ونوادٍ ذات عضوية محدودة. كما يذكر كولمان تنظيمات مثل نادي الجمجمة والعظام والماسونية وجمعيات أخرى ذات طبيعة مغلقة، ويضعها ضمن شبكة نفوذ أوسع، إلا أن وجود هذه المؤسسات أو الجمعيات بصورة مستقلة لا يثبت تلقائيًا أنها كانت أذرعًا لتنظيم واحد أو أنها كانت تخضع لقيادة «لجنة الثلاثمائة».
وتضم القائمة التي أوردها كولمان كذلك شخصيات من خلفيات دينية وسياسية واقتصادية وفكرية متعددة، إضافة إلى أسماء مرتبطة بالدوائر اليهودية والصهيونية، مثل حاييم وايزمان وشاؤول أيزنبرغ وروبين شيلواح وغيرهم. ويجب هنا بصورة خاصة الفصل بين مجرد ورود الاسم في قائمة كولمان وبين إثبات أي علاقة تنظيمية أو سياسية، كما أن الهوية الدينية أو العائلية لشخص ما لا تشكل بحد ذاتها دليلًا على مشاركته في مؤامرة أو تنظيم سري.
وبالنظر إلى القائمة كاملة، يتضح أن كولمان لم يقدم «لجنة» بالمعنى التقليدي الذي نعرفه عن المؤسسات الرسمية، وإنما بنى تصورًا لهرم واسع من النخب تتداخل فيه العائلات الملكية والأرستقراطية، ورأس المال المالي والصناعي، والسياسيون والدبلوماسيون، ومراكز الأبحاث، والمؤسسات الدولية، والدوائر الفكرية، والنوادي والجمعيات المغلقة. ومن هنا أصبح السؤال الأساسي في التحقيق ليس فقط «من هم الأسماء التي ذكرها كولمان؟»، وإنما «هل توجد وثائق مستقلة تثبت وجود شبكة مؤسسية فعلية تربط هذه الدوائر ببعضها وفق الصورة التي قدمها؟».
ومن هذه النقطة انتقل البحث من قائمة الأسماء إلى الوثائق الأصلية، وكانت إحدى أهم الوثائق التي ظهرت أمامنا تقريرًا بحثيًا حقيقيًا بعنوان «تغيير صور الإنسان»، صدر عام 1974 عن مركز دراسة السياسة الاجتماعية في معهد ستانفورد للأبحاث المعروف اختصارًا باسم «إس آر آي»، وتناول مستقبل الإنسان والمجتمع والقيم والتحولات الاجتماعية والتكنولوجيا والسيناريوهات المستقبلية. ويضم التقرير أسماء باحثين ومسؤولين عن المشروع، من بينهم ويليس هارمان وأو. دبليو. ماركلي ودوان إلجين وآرثر هاستينغز وبريندان أو ريغان، إضافة إلى أسماء ضمن اللجنة الاستشارية للمشروع. كما يرتبط التقرير بمؤسسة تشارلز ف. كيتيرينغ، وتوضح البيانات الببليوغرافية أن المشروع كان جزءًا من أعمال مركز دراسة السياسة الاجتماعية في إس آر آي.
وهنا ظهرت نقطة مهمة جدًا في رواية كولمان، إذ لم يذكر التقرير بصورة عابرة، بل استخدمه في بناء روايته عن العلاقة بين مراكز الأبحاث والتغيير الاجتماعي، وربطه بمعهد تافيستوك وبشبكة أوسع يقول إنها تقع ضمن منظومة «لجنة الثلاثمائة». ويورد كولمان رقمًا محددًا للمشروع هو «يو آر إتش، 489-2150»، ويربطه بتقرير «تغيير صور الإنسان» وبمركز دراسة السياسة الاجتماعية في إس آر آي وبويليس هارمان. وهذه المعلومة أصبحت بالنسبة إلى التحقيق مفتاحًا وثائقيًا مهمًا، لكنها لا تزال بحاجة إلى العثور على نسخة أصلية من العقد نفسه للتأكد من جميع تفاصيله.
وعند الرجوع إلى التقرير الأصلي، نجد أن المشروع نفسه حقيقي، وأن إس آر آي والباحثين وأهداف الدراسة وتاريخها يمكن توثيقها، لكننا لا نجد داخل التقرير نفسه وثيقة تقول إن «لجنة الثلاثمائة» أنشأته أو مولته أو أشرفت عليه، ولا نجد فيه ميثاقًا للجنة أو قائمة بأعضائها. وبالتالي أصبح لدينا فصل واضح بين أمرين: المشروع البحثي موثق، أما تفسير كولمان لعلاقته بلجنة الثلاثمائة فما زال يحتاج إلى إثبات مستقل.
ومن هنا برزت الحلقة الأكثر أهمية في التحقيق، وهي العلاقة المحتملة بين «إس آر آي» ومعهد تافيستوك. البحث في المصادر الرسمية أظهر أن أرشيف معهد تافيستوك محفوظ في مجموعة خاصة لدى «ويلكوم كوليكشن»، تحت الرمز الأرشيفي «إس إيه/تي آي إتش»، وأن المجموعة تضم سجلات إدارية وبحثية واستشارية وأوراقًا شخصية ومنشورات ومواد أخرى تغطي مراحل طويلة من تاريخ المعهد، بما فيها الفترة التي تهمنا في هذا التحقيق. كما أن جزءًا من المواد غير مفهرس تفصيليًا، وهو أمر بالغ الأهمية لأن عدم ظهور وثيقة في البحث الإلكتروني العام لا يعني بالضرورة عدم وجودها داخل الأرشيف.
وهنا حُددت مفاتيح البحث التي ستقود المرحلة الثانية من التحقيق: اسم ويليس هارمان، واسم معهد ستانفورد للأبحاث، واسم مشروع «تغيير صور الإنسان»، ورقم العقد «يو آر إتش، 489-2150»، واسم مؤسسة تشارلز ف. كيتيرينغ، إضافة إلى أسماء الباحثين المرتبطين بالمشروع. الهدف ليس البحث عن عبارة «لجنة الثلاثمائة» داخل الأرشيف، لأن مثل هذه العبارة قد لا تظهر أصلًا، وإنما البحث عن مراسلات أو عقود أو مذكرات أو محاضر اجتماعات أو ملفات مشاريع تكشف علاقة مباشرة بين تافيستوك وإس آر آي أو بين الأشخاص الذين شاركوا في المشروع.
وظهرت في هذا السياق أيضًا معلومة مستقلة مهمة من تصريحات ويليس هارمان نفسه، إذ تحدث في مادة منشورة لاحقًا عن بداية عمل مجموعته في أبحاث المستقبل منذ عام 1967، وعن تطوير منهجها في السنوات اللاحقة وعن مشروعات متعلقة بالتصورات المستقبلية. وهذا يفتح مسارًا بحثيًا آخر يمكن أن يساعد في فهم نشأة مشروع «تغيير صور الإنسان» قبل عام 1974، ومن كان يموله ومن كان يتعاون معه، بدل افتراض أن المشروع بدأ فجأة عام 1974.
وبذلك أصبحت لدينا حتى الآن سلسلة بحثية واضحة: أعمال مبكرة في إس آر آي خلال أواخر الستينيات، ثم تطور أبحاث المستقبل والتصورات الاجتماعية، ثم مشروع «تغيير صور الإنسان» عام 1974، ثم البحث عن العلاقة المحتملة مع تافيستوك، ثم الانتقال بعد ذلك إلى المؤسسات والأشخاص الذين يضعهم كولمان ضمن شبكته الأوسع. ولكن الحلقة بين إس آر آي وتافيستوك لم تثبت حتى الآن بوثيقة أصلية مستقلة، وهذه النقطة يجب أن تبقى واضحة في التقرير.
وقد تم لذلك تحديد ما يمكن تسميته «المراسلة الذهبية» للمرحلة المقبلة: خطاب واحد أصلي، أو مذكرة، أو عقد، أو محضر اجتماع بين إس آر آي وتافيستوك يتناول مشروع «تغيير صور الإنسان» أو رقم العقد «يو آر إتش، 489-2150» أو ويليس هارمان أو أحد أعضاء فريق المشروع. وإذا ظهرت مثل هذه الوثيقة، فسيتم فحصها حرفيًا وتحديد تاريخها ومرسلها ومستقبلها ومضمونها، ثم مقارنتها برواية كولمان. وإذا لم تظهر، فسيُسجل ذلك أيضًا بوضوح، لأن غياب الدليل المباشر بعد البحث في الأرشيفات ذات الصلة سيكون نتيجة مهمة بحد ذاته.
وبناءً على ما توصل إليه التحقيق حتى 22 أغسطس/آب 2026، يمكن القول إن لدينا وثائق أصلية تثبت وجود مؤسسات ومشروعات بحثية وشبكات نفوذ تاريخية حقيقية، ولدينا تقرير «تغيير صور الإنسان» ومؤلفوه ومؤسسته وتاريخه، ولدينا رواية كولمان وقائمته الواسعة للأسماء والعائلات والمؤسسات، ولدينا أرشيف تافيستوك الرسمي ومفاتيح بحث محددة داخله، ولدينا رقم العقد الذي أورده كولمان،
د.جمال خليفة
