GeneralNewsTOP STORIESWordPress

مخيم البداوي تحت المجهر: خريطة النفوذ الفلسطيني والتحولات الأمنية في مخيم الشمال

يُعدّ مخيم البداوي في شمال لبنان واحداً من أكثر المخيمات الفلسطينية حساسية من الناحية السياسية والأمنية، ليس بسبب حجمه الجغرافي أو الديموغرافي فحسب، وإنما بسبب تركيبته الفصائلية المتعددة، وتداخل الأطر السياسية والأمنية والاجتماعية داخله، فضلاً عن موقعه في محيط طرابلس والشمال اللبناني. ولذلك فإن قراءة المشهد داخل البداوي لا يمكن اختزالها بفصيل واحد أو جهة واحدة، بل تحتاج إلى تفكيك منظومة النفوذ التي تشكلت على مدى سنوات بين الفصائل الفلسطينية، واللجنة الشعبية، والقوة الأمنية المشتركة، والعلاقات مع الدولة اللبنانية.

تُظهر المعطيات المتاحة أن حركة فتح وفصائل منظمة التحرير الفلسطينية تمتلك الثقل التنظيمي والسياسي والأمني الأبرز داخل المخيم، مع التأكيد أن ذلك لا يعني وجود سيطرة منفردة ومطلقة على كل تفاصيل الحياة داخله. فالبداوي يعمل وفق تركيبة فصائلية تشاركية، وتوجد فيه لجنة شعبية تمثل القوى الفلسطينية، إلى جانب قوة أمنية فلسطينية مشتركة تتولى معالجة القضايا الأمنية الداخلية، وهو ما يجعل النفوذ موزعاً من حيث التمثيل، وإن كان غير متساوٍ من حيث الوزن السياسي والتنظيمي.

وتبرز حركة فتح في مقدمة القوى المؤثرة بحكم حضورها التاريخي وبنيتها التنظيمية وارتباطها بقوات الأمن الوطني الفلسطيني. ويظهر في قيادة فتح في منطقة الشمال اسم خالد عبود بصفته أمين سر حركة فتح وفصائل منظمة التحرير في الشمال، فيما يشغل سمير شناعة موقع أمين سر شعبة فتح في البداوي. ويعطي هذا التسلسل التنظيمي مؤشراً على أن فتح لا تتعامل مع المخيم باعتباره ساحة محلية منفصلة، وإنما باعتباره جزءاً من منظومة تنظيمية أوسع في الشمال اللبناني.

ولا يقتصر نفوذ فتح على الجانب السياسي والتنظيمي، إذ يرتبط اسمها أيضاً بالبنية الأمنية الفلسطينية من خلال قوات الأمن الوطني الفلسطيني، التي تشكل أحد المكونات الأساسية في القوة الأمنية المشتركة داخل المخيم. وقد ظهر في قيادة الأمن الوطني في منطقة الشمال اسم بسام الأشقر، فيما ارتبط اسم محمد سرحان المعروف بـ«أبو بشار» بمهام القوة الأمنية الفلسطينية المشتركة في البداوي في مراحل سابقة. وهذه البنية تجعل فتح صاحبة قدرة مؤسساتية أكبر من قدرة معظم الفصائل الأخرى على التأثير في القرار الأمني الداخلي، مع بقاء الإطار الأمني المشترك قائماً على مشاركة عدة قوى.

إلى جانب فتح، تشكل الفصائل الأخرى المنضوية في منظمة التحرير الفلسطينية جزءاً أساسياً من التركيبة السياسية للمخيم، وفي مقدمتها الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، والجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، وجبهة النضال الشعبي الفلسطيني، وحزب الشعب الفلسطيني، إضافة إلى فصائل أخرى ذات حضور متفاوت. ولا تمتلك هذه القوى، وفق المعطيات العلنية المتاحة، وزناً منفرداً يماثل وزن فتح، إلا أن اجتماعها داخل الأطر الفصائلية واللجنة الشعبية يمنحها دوراً في صناعة الموقف الفلسطيني المشترك داخل المخيم.

وتبرز الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين كأحد المكونات التاريخية للمشهد الفلسطيني في لبنان، بينما تحتفظ الجبهة الديمقراطية بحضور سياسي وتنظيمي ضمن منظومة منظمة التحرير. كما يظهر حضور جبهة النضال الشعبي وحزب الشعب الفلسطيني في النشاطات الفصائلية والاجتماعات المشتركة في الشمال، بما يعكس استمرار البنية السياسية المتعددة داخل البداوي، حيث لا توجد جهة واحدة تلغي وجود الآخرين، وإنما تتفاوت القوى في مستوى الحضور والتأثير.

وفي المقابل، توجد داخل المخيم قوى فلسطينية لا تنتمي إلى منظمة التحرير، وفي مقدمتها حركة حماس وحركة الجهاد الإسلامي الفلسطيني. ويختلف وزن هاتين الحركتين عن وزن فتح ومنظمة التحرير من حيث موقعهما داخل البنية الرسمية لإدارة المخيم، لكن حضورهما السياسي والتنظيمي يجعلهما جزءاً لا يمكن تجاهله عند تحليل التوازنات الداخلية. كما أن وجودهما خارج منظومة منظمة التحرير يمنحهما هامشاً سياسياً مستقلاً، وإن لم تظهر المعطيات العلنية ما يثبت امتلاك أي منهما السيطرة المنفردة على المخيم.

أما الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين – القيادة العامة، فهي حالة أخرى تستحق المتابعة، نظراً إلى وجودها التاريخي في الساحة الفلسطينية اللبنانية وظهور نشاط تنظيمي واضح لها في منطقة الشمال. وقد عقدت القيادة العامة مؤتمراً تنظيمياً لمنطقة الشمال في البداوي خلال عام 2026، وبرز في نشاطاتها عدد من مسؤوليها، من بينهم محسن شمس المعروف بـ«أبو العبد» وعلي الأمير المعروف بـ«أبو طارق». ويشير ذلك إلى استمرار البنية التنظيمية للقيادة العامة في الشمال، لكنه لا يعني أنها تمثل القوة المهيمنة على القرار داخل البداوي.

ومن هنا تظهر أهمية التفريق بين «الحضور» و«النفوذ» و«السيطرة». فوجود فصيل داخل المخيم لا يعني بالضرورة امتلاكه قوة القرار، كما أن امتلاك فصيل لحضور تنظيمي أو اجتماعي لا يعني أنه قادر على فرض إرادته منفرداً على باقي القوى. وفي حالة البداوي، تشير الصورة العامة إلى وجود تفاوت واضح في الأحجام، مع بقاء إدارة الشأن الفلسطيني مرتبطة بالتوافقات الفصائلية واللجنة الشعبية والقوة الأمنية المشتركة.

وتشكل اللجنة الشعبية إحدى أهم حلقات فهم النفوذ داخل البداوي، لأنها تمثل الإطار المدني والسياسي الذي تتقاطع فيه مصالح الفصائل المختلفة، وتتعامل مع القضايا الاجتماعية والخدماتية والتنظيمية، وتعمل كحلقة وصل بين القوى الفلسطينية والسكان من جهة، وبين الجهات اللبنانية المعنية من جهة أخرى. لذلك فإن النفوذ داخل اللجنة الشعبية لا يُقاس فقط بعدد العناصر أو المكاتب، بل بقدرة الفصيل على التأثير في القرارات والتفاهمات التي تخص الحياة اليومية للمخيم.

أما القوة الأمنية الفلسطينية المشتركة فتشكّل الحلقة الأكثر حساسية في المعادلة، لأنها تمثل محاولة لمنع تحول التعدد الفصائلي إلى صراع أمني مفتوح. وهي ليست جهازاً تابعاً لفصيل واحد بصورة رسمية، بل إطاراً مشتركاً تشارك فيه القوى الفلسطينية، مع بقاء التفاوت في الوزن بين الفصائل أمراً قائماً على أرض الواقع. ومن هذه الزاوية، يمكن القول إن فتح تمتلك الثقل المؤسساتي الأكبر، بينما تعمل القوة المشتركة كآلية لتثبيت التوازن ومنع احتكار القرار الأمني.

ولا تكتمل صورة البداوي من دون إدخال العامل اللبناني في المعادلة. فالمخيم ليس جزيرة منفصلة عن الدولة اللبنانية، بل يقع ضمن نطاق جغرافي واجتماعي حساس في الشمال، وتربطه علاقات مباشرة بالأجهزة الرسمية والجيش اللبناني والسلطات المحلية. وخلال عام 2026 برز تطور مهم تمثل في انتقال إدارة أحد مداخل المخيم إلى الجيش اللبناني، وهو تطور يحمل دلالة تتجاوز الجانب الإجرائي، لأنه يعكس اتجاهاً نحو زيادة حضور الدولة اللبنانية في إدارة المداخل والمعابر، بالتوازي مع استمرار الأطر الفلسطينية في إدارة جزء من الشأن الداخلي.

هذا التطور يعيد رسم معادلة النفوذ داخل البداوي. ففي المرحلة السابقة كان من الممكن النظر إلى القوة الأمنية الفلسطينية المشتركة باعتبارها اللاعب الأمني الرئيسي داخل المخيم، بينما بات حضور الدولة اللبنانية المباشر عند المداخل عاملاً إضافياً يجب إدخاله في أي تقييم مستقبلي. وهذا لا يعني انتهاء الدور الأمني للفصائل الفلسطينية، لكنه يعني أن مساحة الحركة بين القرار الفلسطيني الداخلي والقرار السيادي اللبناني أصبحت أكثر ارتباطاً ببعضها.

أما بالنسبة إلى الفصائل أو التنظيمات غير الفلسطينية، فيجب التعامل مع هذا الملف بحذر شديد. فالمصادر المفتوحة لا توفر أساساً كافياً للقول بوجود تنظيم لبناني مسلح يسيطر على جزء من البداوي أو يمتلك منطقة نفوذ مستقلة داخله. كما لا يجوز إسقاط أسماء تنظيمات جهادية ارتبطت تاريخياً بمخيمات فلسطينية أخرى على البداوي من دون أدلة محددة. ولذلك فإن أي تقييم أمني مهني يجب أن يميز بين وجود علاقات أو تعاطف سياسي وبين وجود تنظيم فعلي يمتلك بنية مستقلة ونفوذاً منظماً داخل المخيم.

وتكشف هذه التركيبة أن البداوي يقوم عملياً على ثلاث دوائر نفوذ متداخلة: الدائرة الأولى تقودها حركة فتح ومنظمة التحرير بما تمتلكه من وزن تنظيمي وأمني؛ والدائرة الثانية تضم الفصائل الفلسطينية الأخرى، وفي مقدمتها حماس والجهاد الإسلامي والفصائل المنضوية في منظمة التحرير والقيادة العامة، وهي دائرة متعددة الأطراف ذات أوزان متفاوتة؛ أما الدائرة الثالثة فهي الدولة اللبنانية التي يتزايد حضورها في الملفات السيادية والأمنية، ولا سيما ما يرتبط بالمداخل وتنظيم العلاقة مع المخيم.

وبناءً على ذلك، فإن السؤال عن «من يسيطر على البداوي؟» يحتاج إلى إجابة أكثر دقة من مجرد تسمية فصيل. ففتح تبدو صاحبة الثقل الأكبر من الناحية التنظيمية والأمنية والسياسية، لكنها لا تدير المخيم منفردة. اللجنة الشعبية تمثل الإطار السياسي والاجتماعي الجامع، والقوة الأمنية المشتركة تمثل الإطار الأمني التشاركي، بينما تحافظ حماس والجهاد الإسلامي وبقية الفصائل على حضورها واستقلالها التنظيمي، في وقت بدأت فيه الدولة اللبنانية بتعزيز حضورها المباشر في بعض الملفات التي كانت تُدار سابقاً بصورة أكبر من خلال الأطر الفلسطينية.

وهكذا يتحول البداوي في عام 2026 من نموذج قائم على النفوذ الفلسطيني شبه الكامل في تفاصيل الأمن الداخلي والمداخل إلى نموذج أكثر تعقيداً، تتعايش فيه قوة فتح التنظيمية مع التعدد الفصائلي، وتعمل فيه القوة الأمنية المشتركة كآلية توازن، بينما تتقدم الدولة اللبنانية تدريجياً لاستعادة مساحة أكبر من الدور السيادي. وهذه المعادلة هي المفتاح لفهم أي تطور أمني أو سياسي مقبل داخل المخيم، لأن أي تغيير في علاقة فتح ببقية الفصائل، أو في تركيبة القوة الأمنية المشتركة، أو في مستوى حضور الجيش اللبناني، يمكن أن يعيد توزيع النفوذ داخل البداوي بصورة ملموسة.

ولا يمكن استكمال قراءة خريطة النفوذ في مخيم البداوي من دون الانتقال إلى محيطه المباشر، لأن الحدود الجغرافية للمخيم لا تعكس وحدها حجم الامتداد البشري والاجتماعي المرتبط به. فوجود تجمعات وعائلات فلسطينية في المناطق المحيطة، ولا سيما في جبل البداوي ووادي النحلة والمنكوبين والفوار والعيرونية، يجعل العلاقة بين المخيم ومحيطه أكثر تعقيداً، ويخلق امتداداً سكانياً واجتماعياً يتجاوز الحدود الرسمية للمخيم. كما أن التداخل العمراني بين البداوي وبعض الأحياء المجاورة يجعل الفصل بين المجال الداخلي للمخيم والبيئة المحيطة به أمراً غير بسيط، خصوصاً مع وجود طرق فرعية واتصالات يومية بين السكان، وهو ما جعل مسألة ضبط المداخل والمخارج وتنظيم الحركة من الملفات الأمنية الحساسة بالنسبة إلى الدولة اللبنانية والقوى الفلسطينية على حد سواء. ومن الناحية الأمنية، فإن هذا الامتداد لا يعني تلقائياً وجود بنية تهريب منظمة أو سيطرة لفصيل على المناطق المحيطة، لكن طبيعة الجغرافيا والتداخل العمراني يمكن أن توفر بيئة أكثر تعقيداً أمام عمليات المراقبة والضبط، ولذلك شهدت السنوات الأخيرة إجراءات رسمية هدفت إلى تنظيم الحركة وحصر الدخول والخروج بالمداخل المعروفة. وتكتسب مناطق جبل البداوي ووادي النحلة والمنكوبين والفوار والعيرونية أهمية إضافية في أي تقييم للمخيم، ليس باعتبارها مناطق تابعة له، وإنما باعتبارها نطاقاً جغرافياً واجتماعياً ملاصقاً له تتقاطع معه المصالح السكانية والأمنية والخدماتية، وهو ما يجعل أي تطور داخل البداوي قابلاً للانعكاس على محيطه والعكس صحيح. وبذلك لا تصبح خريطة البداوي مكتملة عند حدود المخيم نفسه، بل تمتد إلى هذه البيئة المحيطة التي تشكل الحزام الاجتماعي والعمراني للمخيم، وتساعد على فهم طبيعة الحركة البشرية والعلاقات بين سكان المخيم والمناطق المجاورة، إضافة إلى تفسير سبب استمرار الدولة اللبنانية في التعامل مع أمن البداوي باعتباره ملفاً يتجاوز حدوده الجغرافية المباشرة.

د.جمال خليفة