يانيس يوشفايف: رجل المافيا الذي حيّر إسرائيل… من كان يحميه ومن قتله؟
يانيس يوشفايف، بالعبرية יאניס יושבייב، كان يُقدَّم في الإعلام العبري باعتباره أحد أبرز قادة ما يسمى «المافيا القوقازية» في إسرائيل، המאפיה הקווקזית, وارتبط اسمه خلال السنوات الماضية ببيئة الجريمة المنظمة في منطقة أور عكيفا والخضيرة وقيسارية. وُلد اسمه من داخل عالم الجريمة الإسرائيلية قبل أن يتحول إلى شخصية تتابعها الشرطة باعتبارها «هدفًا استخباريًا» ذا أهمية، وهو توصيف يختلف عن مجرد كونه مشتبهًا في قضية جنائية. في 23 آب/أغسطس 2026 قُتل بإطلاق نار من مسافة قريبة جدًا في محطة وقود عند مفرق قيسارية، بعد أن خرج من أحد المحال برفقة شخصين، فيما فرّ مطلق النار من المكان وبدأت الشرطة الإسرائيلية، משטרת ישראל, عملية بحث عنه.
كان يوشفايف، وفق التقارير الإسرائيلية، معروفًا للشرطة منذ سنوات، وتكرر توقيفه للاشتباه في ارتباطه بإطلاق نار وهجمات بالقنابل وإحراق سيارات وملفات تهديد، إلا أن اللافت في سجله أن هذه الملفات لم تنتهِ بإدانة قضائية بحقه. وهذا التفصيل يشكل إحدى أهم النقاط في قراءة مسيرته؛ فوجود معلومات استخبارية لدى الشرطة لا يعني بالضرورة امتلاكها أدلة قضائية كافية، لكن استمرار ظهور اسمه في ملفات عنيفة ثم خروجه من معظمها دون إدانة جعل وضعه محل اهتمام أمني مستمر.
وفي خلفية حياته الإجرامية، نجا يوشفايف من محاولة إطلاق نار سابقة، ثم ارتبط اسمه لاحقًا بسلسلة من النزاعات الدموية داخل الوسط الإجرامي. وفي التقارير الإسرائيلية الحديثة وصفته مصادر شرطية بأنه قاد عصابة دخلت في «ثأرات دموية»، وهو توصيف صادر عن الشرطة وليس حكمًا قضائيًا. هذه النقطة مهمة لأنها تشير إلى أن الصراع حوله لم يبدأ مع عملية اغتياله الأخيرة، وإنما سبقه تاريخ طويل من الخصومات والاشتباكات داخل عالم الجريمة المنظمة.
امتلك يوشفايف مطاعم في أور عكيفا، وظهر في مقابلة إعلامية خلال عام 2025 بوصفه رجل أعمال شرعيًا، بينما كانت الشرطة تقدم صورة مختلفة عنه تمامًا. ووفق ما نقلته التقارير عن مصادر شرطية، كان يتجنب استخدام الهاتف بصورة شبه كاملة لأنه كان يعرف أن اتصالاته تخضع للمراقبة، كما تمتعت دائرته القريبة بدرجة عالية من الولاء وامتنع أشخاص حوله عن التعاون مع المحققين. استخباريًا، فإن الجمع بين تقليل الاتصالات، والاعتماد على دائرة بشرية مغلقة، والقدرة على الحفاظ على شبكة ولاء، يجعل اختراق المجموعة وإثبات التسلسل القيادي أصعب من التعامل مع عصابة تقليدية تعتمد على اتصالات مكشوفة.
في شباط/فبراير 2026 برزت محطة أخرى في مسيرته عندما أوقفته السلطات الإسرائيلية في مطار بن غوريون بعد عودته من موسكو. وبحسب التقارير المنشورة، كان التوقيف مبنيًا على معلومات استخبارية تتعلق باحتمال تخطيطه لإيذاء خصوم في عالم الجريمة، ثم أُطلق سراحه بعد فترة قصيرة. ولا تقدم المصادر العلنية التي راجعناها دليلًا على أن رحلة موسكو كانت مرتبطة بالموساد أو الشاباك، ولذلك تبقى هذه الحلقة نقطة تحتاج إلى مزيد من التحقيق وليس دليلًا بحد ذاتها على تعاون استخباري.
وهنا تظهر المسألة الأكثر حساسية في الملف: العلاقة المحتملة بين يوشفايف والأجهزة الأمنية الإسرائيلية. الأجهزة التي يجب أن تدخل في دائرة البحث هي جهاز الأمن العام الإسرائيلي، שירות הביטחון הכללי – שב״כ (الشاباك)، وجهاز الاستخبارات الخارجية، המוסד למודיעין ולתפקידים מיוחדים (الموساد)، إضافة إلى الشرطة الإسرائيلية، משטרת ישראל, وأجهزة الاستخبارات التابعة لها. حتى الآن لا يوجد في المصادر المفتوحة التي جرى التحقق منها مستند أو تصريح رسمي يثبت أن يوشفايف كان عميلًا للموساد أو الشاباك، ولذلك لا يمكن تقديم هذا الأمر باعتباره حقيقة. لكن وجود ملف استخباري كثيف حوله، وقدرته على البقاء خارج دائرة الإدانة في ملفات عديدة، وكونه كان يعرف أنه تحت التنصت، كلها عناصر تجعل السؤال عن طبيعة علاقاته الأمنية مشروعًا للتحقيق.
وتزداد أهمية هذه الزاوية عند وضعها في السياق الإسرائيلي الأوسع لعام 2026. ففي تموز/يوليو 2026 وافقت الحكومة الإسرائيلية على توسيع دور שב״כ – الشاباك في مكافحة الجريمة المنظمة، ولا سيما في ملفات تهريب الأسلحة والمخدرات، مع تخصيص موارد وقدرات استخبارية إضافية للجهاز. وهذه المعلومة لا تثبت وجود علاقة بين الشاباك ويوشفايف، لكنها تؤكد أن الحدود بين العمل الأمني والاستخباري وبين مكافحة الجريمة المنظمة أصبحت في إسرائيل خلال 2026 أكثر حضورًا من السابق.
ومن هنا يجب التمييز بين ثلاثة مستويات: الأول أن الشرطة كانت تملك معلومات استخبارية عن يوشفايف وتراقبه؛ الثاني احتمال أن يكون شخص من بيئته قد استخدم كمصدر أو متعاون أمني؛ والثالث، وهو الادعاء الأكثر خطورة، أن يكون يوشفايف نفسه قد عمل لصالح جهاز إسرائيلي. المستوى الأول مثبت بوضوح في التقارير، أما الثاني والثالث فلا يوجد حتى الآن دليل علني كافٍ لإثباتهما. لذلك فإن أي تقرير مهني يجب أن يستخدم تعبير «شبهة علاقة أو تعاون استخباري» بدل الجزم بأنه «عميل للموساد» ما لم تظهر وثيقة أو شهادة أو معلومة موثوقة تثبت ذلك.
وتكمن أهمية يوشفايف في أنه لم يكن مجرد عنصر هامشي في عالم الجريمة. الشرطة كانت تنظر إليه باعتباره شخصية خطرة ومؤثرة، بينما كانت قدرته على المحافظة على شبكته وعلى الابتعاد عن الهاتف والاتصالات المكشوفة تمنحه مستوى مرتفعًا من الحماية التشغيلية داخل عالمه الخاص. ومن الناحية الاستخبارية، يجب الآن تحديد الأشخاص الذين كانوا يشكلون حلقته الأولى والثانية، والوسطاء الذين كانوا ينقلون المعلومات والأموال والتعليمات، والعلاقات التي امتدت خارج منطقة الخضيرة وأور عكيفا، وخاصة أي صلات ظهرت في روسيا أو في دوائر الأعمال أو الأمن.
أما اغتياله في قيسارية فيمثل تحولًا جذريًا. فقد تمكن منفذ العملية من الاقتراب منه في وضح النهار، والدخول خلفه إلى المحل، ثم إطلاق النار عليه من الخلف من مسافة قريبة جدًا قبل الفرار. وتتعامل الشرطة في التقييم الأولي مع الجريمة باعتبارها مرتبطة على الأرجح بصراع إجرامي، بينما لم تظهر حتى الآن معلومات علنية تثبت أن الاغتيال كان عملية نفذها جهاز استخباري إسرائيلي أو جهة سياسية.
لكن السؤال الاستخباري الذي يفتح بعد مقتله ليس فقط «من أطلق النار؟»، بل «من استفاد من موته؟». فإذا كان يوشفايف بالفعل رأس شبكة نفوذ إجرامية، فإن مقتله يخلق فراغًا داخل المنطقة التي كان يتحرك فيها، ويجعل الصراع على السيطرة على رجاله ومصادر دخله وعلاقاته أمرًا يجب مراقبته. أما إذا ظهرت لاحقًا معلومات موثوقة عن علاقة أمنية به، فإن السؤال سيتغير من مجرد تصفية حسابات بين عصابات إلى احتمال وجود صراع على مصدر معلومات أو شخص كان يمتلك معرفة حساسة عن شبكات داخل إسرائيل وخارجها.
حتى هذه اللحظة، لا توجد أدلة مفتوحة كافية لإثبات أن המוסד – الموساد أو שב״כ – الشاباك كانا يحميان يوشفايف أو يستخدمانه لتنفيذ عمليات خارجية. لكن سجله الأمني، وتكرار توقيفه وإطلاقه، وتوصيفه كهدف استخباري، وسفره إلى موسكو، ومعرفته بأساليب المراقبة والتنصت، كلها نقاط تجعل فرضية وجود علاقات أمنية غير معلنة جديرة بالتحقيق، شرط عدم تحويلها إلى حقيقة قبل ظهور أدلة.
والخلاصة أن يوشفايف ترك وراءه ملفًا يجمع ثلاثة عوالم متداخلة: الجريمة المنظمة، الأمن الإسرائيلي، والعلاقات الخارجية المرتبطة بتحركاته. مقتله المفاجئ في قيسارية أغلق حياة رجل بقي لسنوات داخل دائرة الاشتباه دون أن تنجح الشرطة في إدانته بالملفات العنيفة التي ارتبط اسمه بها، لكنه في الوقت نفسه فتح سؤالًا أكبر: هل كان يوشفايف مجرد قائد جريمة محظوظ في الإفلات من القضاء، أم أن خلف شبكة الحماية الاجتماعية والإجرامية التي أحاطت به كانت هناك علاقات أمنية لم تظهر إلى العلن؟ ومن كان يريد بقاءه حيًا، ومن كان يريد موته؟ هذا هو السؤال الذي سيحدد اتجاه التحقيق في المرحلة المقبلة.
د.جمال خليفة
