من «طبخة الأردن» إلى وثيقة دمشق المسربة… هل بدأت إسرائيل تفكيك الدولة السورية من داخل طاولة التفاوض؟
30/8/2026
وثيقة مسربة تتضمن مجموعة واسعة من المطالب والشروط الإسرائيلية التي وصلت إلى الدولة السورية. ويُزعم أن الوثيقة ترتبط بمسار من الاتصالات والنقاشات السياسية والأمنية التي شهدتها المرحلة الأخيرة.
وفيما يلي تفنيد البنود كما وردت في الوثيقة
1. فتح سفارة إسرائيلية في دمشق وقنصلية في حلب
ينص البند على فتح سفارة إسرائيلية في دمشق وقنصلية في حلب. وإذا كان هذا الطرح قد وصل بالفعل إلى الجانب السوري، فإنه يعني الانتقال من الاتصالات غير المباشرة واللقاءات السياسية والأمنية إلى مرحلة العلاقات الدبلوماسية العلنية والمباشرة.
اختيار دمشق مفهوم باعتبارها العاصمة السياسية للدولة السورية، لكن إدراج حلب في بند منفصل يثير أسئلة إضافية حول طبيعة الدور الذي قد يُراد للوجود القنصلي أن يؤديه في شمال سوريا، سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا.
وبالتالي، فإن هذا البند لا يتعلق بمجرد فتح بعثة دبلوماسية، بل بالانتقال إلى مرحلة جديدة كليًا في العلاقة بين الدولتين.
2. فتح معبر من جنوب درعا إلى السويداء تحت تسمية «ممر داود»
يتحدث النص المتداول عن فتح ممر يمتد من جنوب درعا باتجاه السويداء، ضمن تصور جغرافي وأمني أوسع.
وهنا لا تبدو القضية مجرد إنشاء طريق أو معبر، بل تتعلق بطبيعة السيطرة على مسارات الحركة داخل منطقة حساسة من الجغرافيا السورية. فالممرات الاستراتيجية، خصوصًا عندما ترتبط بترتيبات أمنية خارجية، يمكن أن تتحول إلى أدوات لإعادة رسم النفوذ والسيطرة على الأرض.
وفي حال كان هذا البند مطروحًا بالفعل، فإن السؤال سيكون حول الجهة التي تسيطر على الممر، وطبيعة الحركة داخله، والحدود الأمنية التي تحكمه، وتأثيره على وحدة الجنوب السوري.
3. إنشاء منطقة أمنية بعمق يتراوح بين 40 و50 كيلومترًا داخل الأراضي السورية
هذا البند من أخطر ما ورد في النص المتداول، لأنه يتحدث عن منطقة أمنية واسعة تمتد عشرات الكيلومترات داخل الأراضي السورية.
فمنطقة بهذا العمق لا يمكن اعتبارها مجرد شريط حدودي محدود، بل قد تشمل بلدات وقرى وطرقًا ومناطق حيوية. والخطورة الأساسية تكمن في طبيعة السلطة التي تمارس داخل هذه المنطقة، ومن يملك القرار الأمني، ومن يحدد قواعد الحركة واستخدام القوة.
وإذا صح هذا الطرح، فإن الحديث سيكون عن صيغة أمنية تمس مباشرة مفهوم السيادة السورية داخل أراضيها.
4. تقليص القوات العسكرية السورية إلى ثلاثين ألف جندي
ينسب النص مطلبًا يقضي بتقليص حجم القوات المسلحة السورية إلى نحو ثلاثين ألف عنصر، وحصر مهمتها بصورة أساسية في الأمن الداخلي.
وهذا، إذا كان صحيحًا، يعني تغييرًا جذريًا في طبيعة المؤسسة العسكرية السورية. فالجيش الذي يتولى حماية الحدود والدفاع عن الدولة يتحول، وفق هذا التصور، إلى قوة محدودة العدد والقدرات تركز على الداخل.
كما أن وضع سقف عددي للقوات المسلحة ضمن شروط تفرضها دولة أخرى يطرح سؤالًا مباشرًا حول استقلال القرار العسكري والسيادي.
5. إنشاء منطقة حكم ذاتي اتحادية في السويداء
يتضمن النص الحديث عن إنشاء صيغة حكم ذاتي اتحادية في السويداء وربطها بالترتيبات الأمنية المقترحة في الجنوب.
وهنا تدخل المسألة في صلب مستقبل شكل الدولة السورية. فالحكم الذاتي يمكن أن يكون نتيجة تفاهم وطني ودستوري داخلي، لكنه يصبح مسألة مختلفة تمامًا عندما يرتبط بترتيبات أمنية خارجية.
وإذا صح هذا البند، فإنه قد يشير إلى محاولة إعادة ترتيب الجغرافيا السياسية والإدارية للجنوب السوري ضمن معادلة جديدة.
6. السماح للقوات الإسرائيلية بتنفيذ توغلات عسكرية داخل الأراضي السورية
بحسب النص المتداول، يتيح أحد البنود للقوات الإسرائيلية تنفيذ توغلات أو عمليات عسكرية داخل سوريا في حال وجود تهديد أو حادث أمني.
المشكلة الأساسية هنا تكمن في تعريف «التهديد» ومن يملك حق تقديره. فإذا كان القرار بيد طرف واحد، فإن أي حادث يمكن تفسيره كذريعة للتحرك العسكري.
ولهذا فإن أي بند من هذا النوع، إذا كان مطروحًا فعلًا، يمثل انتقالًا من ترتيبات أمنية محددة إلى صلاحية مفتوحة للتدخل داخل أراضي دولة أخرى.
7. طرد جميع الفصائل الفلسطينية وتسليم قادتها
ينص النص المتداول على التزام سوريا بإخراج جميع الفصائل الفلسطينية وتسليم قياداتها.
وهذا البند، إذا صح، سيكون تحولًا كبيرًا في العلاقة التاريخية بين سوريا والقضية الفلسطينية، خصوصًا أن سوريا كانت خلال عقود إحدى الساحات الأساسية لوجود عدد من التنظيمات والقيادات الفلسطينية.
كما يثير البند مسائل قانونية وسياسية حول مصير الأشخاص المطلوب تسليمهم والجهة التي ستتسلمهم والأساس القانوني لأي إجراءات من هذا النوع.
8. منح الجنسية السورية للاجئين الفلسطينيين والتخلي عن حق العودة
يتحدث النص عن منح اللاجئين الفلسطينيين الجنسية السورية وربط ذلك بالتخلي النهائي عن المطالبة بحق العودة.
وهذا من أكثر البنود حساسية، لأن قضية اللاجئين الفلسطينيين ليست قضية إدارية أو قانونية داخلية فقط، بل ترتبط بتاريخ الصراع وقرارات دولية وحقوق سياسية وإنسانية فردية وجماعية.
لذلك فإن أي محاولة لربط التجنيس بإسقاط حق العودة ستشكل، في حال كانت مطروحة، تحولًا سياسيًا بالغ الخطورة يتجاوز إطار العلاقات الثنائية بين سوريا وإسرائيل.
9. حذف أي ذكر لفلسطين من الكتب والبرامج التعليمية
ينسب النص إلى الوثيقة مطلبًا يتعلق بإزالة أي ذكر لفلسطين من المناهج والبرامج التعليمية.
وهنا تنتقل المطالب من المجال العسكري والسياسي إلى المجال الثقافي والوطني. فالمناهج الدراسية ليست مجرد نصوص تعليمية، بل تعكس رؤية الدولة لتاريخها وهويتها وعلاقتها بمحيطها.
ولهذا فإن أي تغيير من هذا النوع، إذا صح، سيكون قضية وطنية ومجتمعية كبرى تتجاوز حدود أي تفاوض سياسي أو أمني.
10. تمثيل الجالية اليهودية في مجلس الشعب
يتضمن النص الحديث عن تعيين ممثل عن الجالية اليهودية وزيادة عدد المقاعد المخصصة لها.
ويجب هنا الفصل بين مبدأ حقوق المواطنين وحق أبناء جميع المكونات في المشاركة السياسية، وبين فرض صيغة تمثيل محددة ضمن شروط خارجية.
فالقضية الأساسية ليست في حق أي مواطن بالمشاركة في الحياة العامة، وإنما في الجهة التي تقرر شكل التمثيل السياسي والآليات الدستورية والقانونية التي تحكمه.
11. تسليم خمس قواعد عسكرية في شمال حلب وشمال اللاذقية
يتحدث النص عن تسليم خمس قواعد عسكرية لاستخدامها في الرصد الراداري.
وفي حال كان هذا البند صحيحًا، فإن أهميته لا تتوقف عند المواقع نفسها، لأن مراكز الرصد الراداري تمنح قدرة على مراقبة المجال الجوي والتحركات العسكرية في مساحات واسعة.
وبالتالي، فإن أي وجود عسكري أو استخباراتي من هذا النوع سيكون مرتبطًا مباشرة بالأمن القومي السوري وبالسيطرة على المجال الجوي.
12. منع بناء القوات الجوية وأنظمة الدفاع الجوي
ينص النص المتداول على منع سوريا من بناء مطارات عسكرية أو قوات جوية أو أنظمة دفاع جوي.
وهذا البند، إذا صح، سيكون من أخطر البنود المتعلقة بالقدرة الدفاعية للدولة، لأنه يعني حرمان سوريا من وسائل حماية مجالها الجوي.
فالدولة التي لا تمتلك قوة جوية أو دفاعًا جويًا ستكون في وضع عسكري استثنائي، وستصبح قدرتها على حماية أجوائها مرتبطة بعوامل وترتيبات خارجية.
13. حظر الأحزاب السياسية القائمة على القومية أو الدين
يتضمن النص مطلبًا يتعلق بحظر الأحزاب السياسية القائمة على أساس قومي أو ديني، مع ربط ذلك بمواجهة التطرف.
لكن هناك فرقًا بين مكافحة التنظيمات التي تمارس العنف والتطرف، وبين إعادة هندسة الحياة السياسية للدولة عبر حظر تيارات كاملة وفق تعريفات يفرضها طرف خارجي.
وأي تغيير بهذا الحجم يحتاج، في الظروف الطبيعية، إلى نقاش دستوري وسياسي داخلي واسع.
14. سن قوانين تجرّم الأعمال المعادية لليهود أو لإسرائيل
يتحدث النص عن تشريعات تتعلق بتجريم الأعمال المعادية لليهود أو لإسرائيل.
ومن الضروري هنا التمييز بين حماية الأفراد من الكراهية والعنف على أساس ديني أو عرقي، وهو مبدأ قانوني معروف، وبين تجريم النقد السياسي أو المواقف السياسية تجاه دولة أجنبية.
فالخلط بين حماية الأفراد وبين حماية سياسات دولة من النقد يمكن أن يفتح بابًا واسعًا للنقاش حول حرية التعبير وحدود القانون.
15. تعويض اليهود السوريين وإعادة الممتلكات
يتضمن النص مطالب تتعلق بتعويض يهود سوريين عن ممتلكات سابقة وإعادة بعض العقارات أو مراجعة وضعها القانوني.
وملفات الملكية التاريخية تحتاج بطبيعتها إلى إجراءات قضائية ووثائق وسجلات، ولا يمكن حسمها سياسيًا من دون مراجعة قانونية مستقلة.
لكن إدراج هذه المسائل ضمن حزمة تفاوضية سياسية وأمنية، إذا ثبت ذلك، يجعلها جزءًا من ملف أكبر يتجاوز مجرد النزاعات الفردية على الملكية.
16. الانضمام إلى اتفاقات إبراهيم خلال عامين
يختتم النص المتداول الحديث عن انضمام سوريا إلى اتفاقات إبراهيم خلال فترة زمنية محددة.
وهنا تتجمع جميع الملفات السابقة في نتيجة سياسية واحدة: الانتقال إلى مرحلة جديدة من العلاقة الرسمية بين دمشق وتل أبيب.
لكن السؤال الذي تثيره الوثيقة هو طبيعة هذا الانتقال: هل سيكون اتفاقًا متبادلًا بين دولتين، أم أن التطبيع سيكون جزءًا من حزمة أوسع تتضمن شروطًا عسكرية وأمنية وسياسية تتعلق بإعادة تشكيل الدولة السورية نفسها؟
من «طبخة الأردن» إلى وثيقة دمشق المسربة
عند وضع هذه الوثيقة ضمن تسلسل الأحداث السياسية والأمنية الأخيرة، يصبح من المهم العودة إلى اللقاء الذي جرى في الأردن، والذي تناولناه سابقًا باعتباره محطة تفاوض أمني واستخباراتي قبل أن ينتقل المسار إلى مستواه السياسي الأوسع.
ولا يعني ذلك أن الوثيقة نفسها كانت جزءًا من محضر الاجتماع، أو أن البنود الستة عشر كانت معروضة بالضرورة بصيغتها الحالية على طاولة اللقاء.
لكن، وفق القراءة السياسية لمسار الأحداث، فإن الملفات الأساسية التي تتناولها الوثيقة — الجيش، الجنوب السوري، المناطق الأمنية، الحدود، السيادة، التطبيع والعلاقة المستقبلية — تبدو من طبيعة المواضيع التي يمكن أن تكون قد طُرحت ضمن النقاشات التي جرت في ذلك المسار.
ومن هنا تأتي أهمية التسلسل: نقاشات واتصالات في الأردن، طرح للملفات والرسائل السياسية والأمنية، ثم انتقال ما دار من خلاصات ورسائل عبر وزير الخارجية أسعد الشيباني إلى القيادة السورية، وصولًا إلى مرحلة اتخاذ القرار.
وبحسب هذه القراءة، فإن الشيباني لم يكن بالضرورة حاملًا لوثيقة مكتوبة بصيغتها الحالية، بل حاملًا لمضمون النقاش والرسائل والملفات التي طُرحت خلال اللقاءات، قبل أن تصل هذه المواضيع إلى القيادة العليا في دمشق وعلى رأسها أحمد الشرع.
أما الوثيقة التي ظهرت لاحقًا، فتقدم — إذا ثبتت صحة مصدرها ومسارها — صورة تفصيلية عن الشروط أو المطالب التي قيل إنها وصلت إلى الدولة السورية.
ولا يمكن الجزم، في غياب وثائق مستقلة إضافية، بأن التسلسل جرى بهذه الصورة حرفيًا. لكنه يمثل قراءة سياسية للتتابع بين ما جرى في الأردن، وطبيعة الملفات التي كانت محل النقاش، ثم ظهور نص تفصيلي يتضمن شروطًا تمس جوهر الدولة السورية.
وهنا بالضبط تعود «طبخة الأردن» إلى الواجهة. ليس لأن الوثيقة كانت جزءًا من الاجتماع، بل لأن الاجتماع يمكن النظر إليه باعتباره محطة طُرحت خلالها ملفات كبرى ورسائل سياسية وأمنية، قبل أن تنتقل خلاصاتها إلى دمشق.
ابن سوريا
