هل تُرسم سوريا أم تُبنى؟ صراع الداخل والخارج على الدولة المقبلة
11-9-2026
تدخل سوريا مرحلة شديدة الحساسية تتداخل فيها الصراعات الداخلية مع المشاريع الإقليمية والدولية، بحيث لم يعد الصراع على الأرض السورية محصوراً في مسألة السيطرة على مناطق أو تثبيت خطوط تماس، بل بات مرتبطاً بصورة الدولة السورية التي ستنشأ في المرحلة المقبلة، وبالجهة التي ستملك القدرة على تحديد حدود نفوذها وتركيبتها السياسية والأمنية والعسكرية.
في الجنوب السوري، تبدو إسرائيل أمام محاولة مستمرة لتكريس واقع أمني جديد يقوم على توسيع هامش حركتها داخل الأراضي السورية، من خلال التوغلات والانتشار والضغط على المناطق المحاذية لحدودها، بالتوازي مع استثمار حالة الاضطراب الداخلي والخلافات التي شهدتها محافظة السويداء. وهذا المسار لا يمكن فصله عن الرؤية الإسرائيلية التي تتعامل مع الجنوب السوري باعتباره منطقة أمنية مفتوحة أمامها، وتسعى إلى منع قيام قوة سورية موحدة وقادرة على فرض سيادتها الكاملة على المنطقة الحدودية.
وتزداد خطورة هذا الواقع عندما تتقاطع التحركات الإسرائيلية مع التوترات الداخلية السورية، إذ يمكن لأي انقسام اجتماعي أو أمني في الجنوب أن يتحول إلى مدخل لإعادة رسم مناطق النفوذ، خصوصاً في ظل وجود حساسيات طائفية ومناطقية يمكن استثمارها سياسياً وأمنياً. ومن هنا تصبح السويداء أكثر من مجرد ملف داخلي، لأنها تقع عند نقطة تقاطع بين الحسابات السورية والإسرائيلية والإقليمية.
وفي السويداء تحديداً، يبدو أن الوضع يتجه إلى تكريس واقع محلي شديد الخصوصية، مع استمرار وجود قوى ومجموعات مسلحة تفرض نفوذاً على الحركة داخل المحافظة وعلى الطرق التي تربطها بدمشق، الأمر الذي أدى إلى خلق حالة تشبه واقعاً شبه منفصل عن المحيط السوري. ومع استمرار هذا الواقع، تبرز عملياً فكرة قيام صيغة حكم محلي واسعة الصلاحيات، قد تتطور باتجاه حكم ذاتي أو نموذج فيدرالي إذا استمرت حالة الانفصال الإداري والأمني عن المركز. وهذه النقطة لا ترتبط بالسويداء وحدها، لأن تثبيت نموذج مناطقي مغلق أو شبه مستقل يمكن أن يفتح الباب أمام مطالب مشابهة في مناطق سورية أخرى.
ولا يمكن فصل ذلك عن الوضع المعيشي الذي وصلت إليه سوريا، والذي بات يشكل أحد أخطر عناصر الضغط على المجتمع السوري. فقد تراجعت القدرة الشرائية، وازدادت صعوبة تأمين الاحتياجات الأساسية، فيما تستمر أزمات الكهرباء والمحروقات والمياه والخدمات وفرص العمل، الأمر الذي جعل الأزمة الاقتصادية والاجتماعية جزءاً من المعادلة السياسية والأمنية نفسها. والأخطر أن استمرار التدهور المعيشي يدفع شرائح واسعة من السوريين إلى البحث عن الحماية والموارد خارج مؤسسات الدولة، بما يعزز نفوذ القوى المحلية والمناطقية ويضعف قدرة المركز على إعادة بناء دولة متماسكة.
في المقابل، لا تبدو تركيا بعيدة عن عملية إعادة تشكيل الجغرافيا السياسية والأمنية السورية، وخصوصاً في الشمال، حيث يشكل ملف قوات سوريا الديمقراطية «قسد» أحد أهم مفاتيح النفوذ التركي داخل سوريا. فأنقرة تنظر إلى استمرار كيان عسكري كردي مستقل أو شبه مستقل على حدودها باعتباره تهديداً مباشراً لأمنها القومي، ولذلك فإن مستقبل قسد وعلاقتها بالدولة السورية سيكون جزءاً أساسياً من مستقبل التوازنات في البلاد.
وهنا يظهر أحد أبرز أوجه الصراع غير المباشر بين إسرائيل وتركيا على الساحة السورية. فبينما تسعى إسرائيل إلى تثبيت بيئة أمنية تسمح لها بالحركة والضغط في الجنوب وتمنع نشوء قوة سورية موحدة وقوية بالقرب من حدودها، تعمل تركيا على تثبيت نفوذها في الشمال ومنع تشكل واقع كردي مستقل، مع الدفع باتجاه ترتيبات تضمن لها دوراً مؤثراً في بنية الدولة السورية المقبلة. وبين المسارين يتحول الداخل السوري إلى مساحة تنافس على النفوذ وإعادة توزيع القوة.
أما قسد، فإن مستقبلها لن يتحدد فقط بقدرتها العسكرية أو بموقعها الجغرافي، بل بمدى قدرتها على الانتقال من صيغة القوة المحلية إلى صيغة يمكن دمجها ضمن الدولة السورية، سواء عبر ترتيبات عسكرية أو سياسية أو إدارية. فبقاء قوة عسكرية منفصلة بصورة دائمة سيبقي الباب مفتوحاً أمام التدخلات الخارجية، بينما يمكن لعملية اندماج مدروسة أن تشكل أحد مفاتيح إعادة بناء الدولة السورية.
وفي المقابل، فإن التحدي الأكبر أمام دمشق لن يكون فقط استعادة السيطرة الجغرافية، بل بناء مؤسسات قادرة على استيعاب المكونات السورية المختلفة ضمن إطار وطني واحد. فسوريا المقبلة لا يمكن أن تُبنى على قاعدة لون سياسي أو مذهبي واحد، ولا يمكن اختزال الدولة السورية في منطقة واحدة أو بيئة اجتماعية واحدة، أياً كان مصدر القوة التي وصلت منها إلى الحكم.
إن الدولة السورية المقبلة، إذا أريد لها أن تكون دولة مستقرة وقابلة للحياة، تحتاج إلى صيغة سياسية وأمنية واجتماعية تضم مختلف المكونات السورية، من العلويين والمسيحيين والدروز إلى السنة وسائر المكونات القومية والاجتماعية، ضمن مفهوم المواطنة والمؤسسات وتكافؤ المشاركة. وأي محاولة لإنتاج دولة تمثل منطقة أو جماعة واحدة ستعيد إنتاج الصراع بصورة مختلفة، حتى لو تبدلت أسماء القوى والجهات المسيطرة.
ومن هنا تبرز المسألة الأكثر حساسية: هل يجري اليوم رسم الدولة السورية، أم يجري تأسيسها؟ الفرق بين الأمرين جوهري. رسم الدولة يعني أن تتولى القوى الموجودة على الأرض، مدعومة بقوى خارجية، تحديد حدود النفوذ وشكل المؤسسات وطبيعة العلاقات بين المناطق والمكونات. أما تأسيس الدولة فيعني إعادة بناء سوريا على قاعدة وطنية جامعة، يكون فيها السلاح والمؤسسات والقرار السياسي ضمن إطار دولة واحدة، وتكون فيها المكونات شريكة في الدولة لا أدوات في صراع الآخرين.
المؤشرات الحالية توحي بأن سوريا تقف أمام مرحلة انتقالية طويلة، ستتحدد خلالها موازين القوى من الجنوب إلى الشمال، ومن دمشق إلى الشرق. فالوجود الإسرائيلي في الجنوب، والدور التركي في الشمال، ومستقبل قسد، وترتيبات القوى المحلية، وطبيعة العلاقة بين المكونات السورية، والوضع الاقتصادي والمعيشي، كلها ملفات مترابطة ستحدد في النهاية شكل النظام السياسي والأمني المقبل.
وعليه، فإن الصراع الحقيقي على سوريا قد لا يكون في المرحلة المقبلة حول من يسيطر على مدينة أو محافظة، بل حول من يملك القدرة على صياغة العقد السياسي الجديد. وإذا نجحت القوى السورية في تحويل التعدد الموجود في البلاد إلى قاعدة شراكة وطنية، فقد تبدأ عملية تأسيس دولة جديدة قادرة على استعادة سيادتها تدريجياً. أما إذا بقيت الانقسامات الطائفية والمناطقية والأمنية أدوات للصراع الخارجي، فإن سوريا ستبقى ساحة مفتوحة لإعادة رسم النفوذ، وسيصبح خطر التقسيم الواقعي أكبر من مجرد خطوط على الخريطة.
في الخلاصة، فإن الجنوب السوري يمثل نقطة الضغط الإسرائيلية، والشمال يمثل نقطة الضغط التركي، وقسد تمثل أحد مفاتيح إعادة تركيب الدولة، والسويداء تمثل اختباراً لقدرة المركز على التعامل مع خصوصية محلية متزايدة، بينما يمثل الوضع المعيشي الاختبار الأكثر مباشرة لقدرة الدولة على البقاء. وبين هذه الملفات كلها تبقى دمشق أمام السؤال الأصعب: هل تستطيع تحويل الجغرافيا السورية المتعددة إلى دولة واحدة، أم أن الواقع الميداني والاقتصادي سيؤدي إلى قيام مناطق نفوذ متباعدة تتعايش داخل اسم دولة واحدة؟
إن مستقبل سوريا لن يحسمه طرف واحد، بل ستحدده معادلة جديدة تقوم على مدى قدرة السوريين على الانتقال من مرحلة السيطرة على الأرض إلى مرحلة تأسيس الدولة، ومن دولة تُرسم حدود نفوذها إلى دولة تُبنى مؤسساتها على أساس الشراكة بين جميع مكوناتها.
دكتور جمال خليفة
