FEATUREDGeneral

الشرق الأوسط بين إعادة التموضع وصياغة النظام الإقليمي الجديد    د. سماهر الخطيب

تبدو الأحداث اليومية لأزمات الشرق الأوسط مترابطة مع بعضها البعض، فالحروب في غزة ولبنان، والتوتر بين إسرائيل وإيران، والتحولات في سوريا، والحراك التركي والخليجي، كلها أزمات مترابطة في سلسلة واحدة، تعكس عملية أوسع لإعادة تشكيل النظام الإقليمي بالتوازي مع التحولات الدولية. ولم يعد السؤال من انتصر أو خسر، بل ما هو شكل الشرق الأوسط الجديد ومن يمتلك القدرة على رسم ملامحه.

الجغرافيا تستعيد دورها الاستراتيجي

أصبحت الجغرافيا السياسية محور التنافس الإقليمي، بعدما تحولت الممرات البحرية وخطوط الطاقة من أدوات مساندة إلى ركائز للنفوذ. فمضيق هرمز، وباب المندب، وقناة السويس، وشرق المتوسط تمثل شرايين الاقتصاد العالمي، ما دفع القوى الإقليمية والدولية إلى البحث عن مسارات بديلة أكثر أمناً واستقراراً.

الممرات الاقتصادية وصناعة النفوذ

برزت مشاريع كالممر الاقتصادي الهندي–الشرق الأوسط–أوروبا (IMEC)، وطريق التنمية العراقي، ومشاريع الربط البري والسككي بين الخليج والعراق وتركيا وسوريا، باعتبارها أدوات لإعادة رسم شبكة التجارة العالمية. كما تزداد أهمية العراق وسوريا ولبنان وشرق المتوسط في مشاريع الطاقة والنقل، بما يعيد للمنطقة دورها التاريخي كحلقة وصل بين الشرق والغرب.

تحالفات مرنة ومصالح متبادلة

تشهد المنطقة انتقالاً من التحالفات التقليدية إلى شراكات أكثر براغماتية تقوم على المصالح الاقتصادية والأمنية. وتبرز الآلية الرباعية التي تضم السعودية ومصر وتركيا وباكستان كإطار للتنسيق السياسي والأمني، فيما تعتمد دول الخليج سياسة تنويع الشراكات الدولية، وتواصل تركيا توسيع نفوذها مع الحفاظ على هامش واسع للمناورة.

صراع الردع وإعادة ترتيب التوازنات

تسعى إسرائيل إلى إعادة تشكيل بيئتها الأمنية ومنع نشوء تهديدات استراتيجية، بينما تعمل إيران على الحفاظ على شبكة نفوذها كجزء من منظومة الردع، مع تجنب مواجهة شاملة. ويبقى مضيق هرمز إحدى أهم أوراق الضغط، وسط نقاشات حول ترتيبات جديدة لأمن الملاحة، رغم تعقيداتها السياسية والقانونية.

تنافس دولي على المنطقة

أصبحت المنطقة ساحة رئيسية للتنافس بين الولايات المتحدة وأوروبا وروسيا والصين. فالولايات المتحدة تركز على أمن إسرائيل وحرية الملاحة ومنع هيمنة أي قوة إقليمية، فيما تهتم أوروبا بأمن الطاقة والاستقرار، وتعزز روسيا حضورها في سوريا وشرق المتوسط، بينما توسع الصين نفوذها عبر الاستثمار في البنية التحتية والموانئ ومبادرة الحزام والطريق. وهكذا يتشكل نمطان من النفوذ؛ أحدهما أمني تقوده القوى الغربية، وآخر اقتصادي تقوده القوى الشرقية.

إعادة تموضع لا انسحاب

لا يعكس الحضور الأمريكي انسحاباً من المنطقة، بل إعادة تموضع تركز على حماية المصالح الاستراتيجية مع تحويل الأولوية إلى آسيا، بينما تميل أوروبا إلى خفض التصعيد والحفاظ على الاستقرار الاقتصادي.

المسارات المحتملة

يقف الشرق الأوسط أمام ثلاثة سيناريوهات رئيسية: استقرار براغماتي قائم على التعاون الاقتصادي والربط الإقليمي، أو استمرار إدارة الصراعات دون حلول نهائية، أو تصعيد واسع يعيد رسم موازين النفوذ ويعطل مشاريع التكامل.

في المحصلة، تتجه المنطقة إلى مرحلة تعيد تعريف مفهوم القوة، حيث تصبح الجغرافيا والطاقة والممرات التجارية والبنية التحتية عناصر لا تقل أهمية عن القوة العسكرية. وستتحدد ملامح النظام الإقليمي الجديد بقدرة الدول على بناء التحالفات، وإدارة الممرات الاقتصادية، واستثمار موقعها الجغرافي، ليبقى السؤال الأهم: من سيشارك في صياغة هذا الشرق الأوسط الجديد، ومن سيكتفي بالتكيف مع نتائجه؟