Generalمقالات

مضيق هرمز… حيث تتحول الجغرافية إلى سلاح تدفع أوروبا ثمن حرب لا تخوضها                  د. سماهر الخطيب

لطالما كان عدد الجيوش مقياساً للقوة في الحروب التقليدية، ولطالما كانت المواجهات البرية هي الحاسمة في تلك الحروب. أما في المواجهة الإيرانية – الأميركية الدائرة اليوم، فالمعادلة مختلفة، كما أن الحرب باتت مختلفة ودخلت جيل جديد من الحروب التي لم تعد أيديولوجية وحسب بل باتت حروباً اقتصادية جيبولتيكية عنوانها الطاقة ومن يسيطر ويتحكم بالطاقة، يسيطر ويتحكم بالعالم. وهنا تحديداً، عند مضيق هرمز، تختصر الجغرافيا جوهر الصراع وتتحول من موقع جغرافي إلى أداة ضغط استراتيجية قادرة على خنق الاقتصاد العالمي خلال أيام، وسلاحاً فتاكاً وسلاحاً فتاكاً لا على أطراف الصراع فحسب، بل على النظام الدولي بأسره.

وهذا ما يدل بوضوح على أنه مهما تطورت الحروب بأدواتها وأساليبها ورغم التطور التكنولوجي الذي وصلت إليه الدول الكبرى غير أن الجغرافيا مازالت وحدها من يقرر أهمية ومكانة هذه الدول، خاصة وأن الصراع الراهن ليس مجرد مواجهة عسكرية بين دولتين، بل هو تجسيد حيّ لنظريات العلاقات الدولية، فوفق المدرسة الواقعية، تسعى الولايات المتحدة إلى منع إيران من التحول إلى قوة إقليمية مهيمنة، بينما تستخدم طهران ما تملكه من أوراق غير تقليدية لتعويض فجوة القوة العسكرية. ومن بين هذه الأوراق، يبرز “سلاح المضيق” كأكثرها تأثيراً، إذ يمر عبره نحو 20% من النفط العالمي، ما يجعله نقطة اختناق لا مثيل لها في النظام الاقتصادي الدولي.

ويقال أنّ الجغرافية لعنة، بالتالي فإنّ المناطق أو الأقاليم التي تكون جغرافيتها ذات قيمة استراتيجية من ناحية الربط بين الأقاليم أو من ناحية حضور البحار والأنهار في جغرافيتها، وإذا كانت تلك الجغرافية التي تختص بها منطقة معينة تمتلك ثروات باطنية مهمة وطقس معتدل فإنّ اللعنة التي تحل بها تكون ثلاثية الأبعاد “جوية، برية، بحرية” ويجعلها في عين أي إعصار خارجي يريد أن يبني قوته على حساب هذه الجغرافية..  ناهيك عن الموقع الجغرافي لأي دولة يفرض عليها قيوداً صارمة تساهم في صراعاتها، ضعفها الاقتصادي، أو التبعية للخارج، مما يحد من خياراتها السياسية والأمنية، ليتحدى هذا المنظور الاعتقاد السائد بأن التكنولوجيا تلغي تأثير الموقع، مؤكداً بقاء الجغرافيا محركاً رئيسياً للصراعات.

وتاريخ المجتمع الدولي الذي مرّ بسيرورة طويلة كانت الحرب عنوانها لإضفاء المبادئ الدولية في حالة السلم التي حكمت وفقها النظم الدولية، كانت نتيجة القوة الجيوسياسية التي تمتّعت بها الدول الكبرى استناداً لنظريات جيوبولتيكية أسست للنظام العالمي الحاكم هذه المنظومة.. ومن أمثلة التاريخ أنّ فرنسا مثلاً كانت إمبراطورية حاكمة باتت اليوم دولة تابعة ل”الإمبراطورية” الأميركية التي استثمرت في الجيوبولتيك وأسست وفق قواعده نظام عالمي ترأست قطبيته وهو ما يوصلنا إلى نتيجة أنّ التاريخ احياناً ضحية الجغرافيا، والحاضر ضَحيِّتهما في آن معاً، لتقوم تلك الجغرافية وفق العلم الجيوسياسي برسم معالم المستقبل بل وضع قواعده ومبادئه أيضاً..

وفي العودة إلى “مضيق هرمز” وأهميته في الصراع الحالي يمكن ملاحظة مفارقة بأن هذا السلاح لا يعمل بمنطق “الضربة القاضية”، بل بمنطق “الضغط التدريجي”، فإغلاق المضيق بشكل كامل قد يؤدي إلى صدمة اقتصادية عالمية تدفع حتى حلفاء إيران أو خصومها إلى التدخل العسكري المباشر. لذلك، يبدو أن طهران تستثمر في “لعنة الجغرافية” كأداة وتحولها إلى نعمة وتعتمد استراتيجية التعطيل الجزئي من خلال إرباك الأسواق، رفع الأسعار، وإيصال رسالة مفادها أن كلفة استمرار الحرب ستكون عالمية، لا إقليمية فقط.

من جهة أخرى، لا يمكن فهم هذه الحرب دون إدراك أنها حرب على “تدفقات الطاقة” قبل أن تكون حرباً على الأرض، فمن منظور الاقتصاد السياسي الدولي، فإن العالم اليوم قائم على شبكة معقدة من الاعتماد المتبادل، وأي خلل في هذه الشبكة ينعكس فوراً على الأسواق، من آسيا إلى أوروبا. وهذا ما يفسر تردد القوى الكبرى في الانخراط العسكري المباشر، رغم التصعيد، خوفاً من انهيار النظام الاقتصادي الذي تستند إليه، فالمضيق الذي يمر عبره نحو 20% من النفط العالمي ليس مجرد ممر بحري، بل شريان اقتصادي حيوي. ومع تعطل تدفق ما بين 7 إلى 10 ملايين برميل يومياً، وارتفاع الأسعار إلى ما فوق 100 دولار، لم تعد الأزمة محصورة في الشرق الأوسط، بل انتقلت فوراً إلى الأسواق الأوروبية.

وهنا، تظهر بوضوح إحدى فرضيات المدرسة الليبرالية في العلاقات الدولية والتي تقول بأن الاعتماد المتبادل لا يمنع الأزمات، بل يسرّع انتقالها. وهذا يفسر تضرر أوروبا السريع من هذه الحرب، فأوروبا التي خرجت بصعوبة من أزمات طاقة متتالية خلال العقد الماضي، تجد نفسها مجدداً أمام اختبار قاسٍ، فهي تعتمد بشكل كبير على واردات الطاقة، خصوصاً الغاز الطبيعي المسال، الذي يأتي جزء مهم منه من الخليج، بعد إغلاق “صنبور” الغاز الروسي ومع تصاعد التوترات، ارتفعت أسعار الغاز بشكل حاد، ما أعاد شبح التضخم وأضعف القدرة التنافسية للصناعات الأوروبية، حيث أصبحت أوروبا أمام معادلة من جهة، ارتفاع كلفة الإنتاج الصناعي، خاصة في القطاعات كثيفة الاستهلاك للطاقة مثل الصلب والكيماويات. ومن جهة أخرى، تراجع القدرة الشرائية للمواطنين بسبب ارتفاع أسعار الكهرباء والوقود..

وهذه المعادلة تضع الاقتصاد الأوروبي أمام خطر “ركود تضخمي”، وهو السيناريو الأكثر تعقيداً في علم الاقتصاد، والجدير ذكره هنا أن التأثير لا يتوقف عند الاقتصاد، بل يمتد سياسياً، إذ تعكس الأزمة حدود القدرة الأوروبية على التأثير في الصراع، فبينما تضغط الولايات المتحدة باتجاه مواقف أكثر تشدداً، تتردد دول أوروبية عدة في الانخراط، إدراكاً منها أن أي تصعيد إضافي سيضاعف كلفة الأزمة عليها داخلياً فرغم أنها لا تخوض الحرب عسكرياً، لكنها على ما يبدو تدفع كلفتها الاقتصادية بشكل مباشر، وهذا التباين يعكس خللاً في التنسيق داخل المعسكر الغربي، ويطرح تساؤلات حول مستقبل التحالفات التقليدية.

أما دول الخليج، فهي في قلب المفارقة أيضاً فمن جهة، تستفيد نظرياً من ارتفاع الأسعار، لكن من جهة أخرى، تتعرض بنيتها التحتية للتهديد وتتقلص قدرتها على التصدير. والنتيجة أن المكاسب السعرية لا تعوض الخسائر التشغيلية، ما يجعلها من أكثر الأطراف تأثراً رغم كونها المنتج الأساسي.

ومن منظور الجيوبوليتيك، تكشف الأزمة هشاشة الاستراتيجية الأوروبية في مجال الطاقة، فبعد تقليل الاعتماد على مصادر تقليدية في السابق، لم تنجح أوروبا بعد في بناء نظام طاقوي متنوع بما يكفي لتحمل صدمات بهذا الحجم. ويبعد عنها شبح الأزمات الطاقوية ويهدد بعودة الركود الصناعي ولذلك، فإن ما يحدث اليوم قد يدفعها إلى إعادة النظر في سياساتها، سواء عبر العودة إلى الطاقة النووية، أو تسريع الاستثمار في مصادر الطاقة المتجددة، أو حتى إعادة فتح قنوات مع موردين جدد، خاصة وأن هذه الأزمة لم تسلم منها حتى الولايات المتحدة فقد ارتفعت أسعار الوقود بشكل حاد، وعكس ذلك تضخماً وضغطاً داخلياً، وأصبح الملف الطاقوي عاملاً سياسياً حساساً، وكلما طال أمد تعطيل مضيق هرمز، كلما زادت كلفة الأزمة على أوروبا وربما أميركا أيضاً وفي حال الإغلاق الكامل، قد نشهد قفزة في أسعار النفط إلى ما فوق 150 دولاراً، وهو ما قد يدفع بعض الاقتصادات الأوروبية خصوصاً والعالمية عموماً إلى حافة الركود الحاد.

وهكذا، يتحول مضيق هرمز من نقطة جغرافية بعيدة إلى عامل حاسم في تحديد مستقبل الاقتصاد الأوروبي والعالمي، وقد لا تكون أوروبا طرفاً في الحرب، لكنها بالتأكيد واحدة من أكبر الخاسرين فيها.. وفي المحصلة، تكشف هذه الحرب حقيقة أساسية في النظام الدولي المعاصر مفادها أنه لم يعد ممكناً لأي منطقة أن تبقى بمنأى عن صراعات الطاقة. أوروبا، رغم بعدها الجغرافي عن الخليج، تجد نفسها في قلب الأزمة، لأن اقتصادها مرتبط بشبكة عالمية شديدة الحساسية لأي اضطراب.

السؤال الأهم اليوم ليس ما إذا كانت الحرب ستستمر، بل إلى أي حد ستتصاعد ، خاصة وأن ما نشهده ليس مجرد أزمة عابرة، بل لحظة مفصلية في تاريخ الطاقة العالمي. فهذه الحرب تعيد طرح سؤال جوهري: هل يمكن لنظام اقتصادي يعتمد بهذا الشكل على نقاط اختناق جغرافية أن يبقى مستقراً؟ الإجابة، على ما يبدو، بدأت تتشكل بالفعل، مع تسارع الجهود نحو تنويع مصادر الطاقة وتقليل الاعتماد على الممرات الحساسة، فمضيق هرمز اليوم ليس مجرد ممر مائي، بل هو مرآة تعكس هشاشة النظام الدولي. وفي هذه المرآة، يبدو واضحاً أن القوة في القرن الحادي والعشرين لم تعد فقط في السلاح، بل في القدرة على التحكم بتدفق ما يُبقي العالم يعمل وهي الطاقة وممراتها..