من الظل إلى الشاشة: شبكة التجنيد الإسرائيلية في لبنان بين الموساد والوحدة 504 من 2000 إلى2026
منذ بداية الألفية الجديدة، لم يكن النشاط الاستخباري الإسرائيلي في لبنان قائمًا على شبكة واحدة ثابتة، بل ظهر من خلال شبكات متعددة اختلفت في تركيبها ومهامها ودرجة ارتباطها بالجهة الإسرائيلية المشغّلة. ومن المهم منذ البداية التمييز بين الموساد، باعتباره جهاز الاستخبارات الخارجية الإسرائيلي، وبين الوحدة 504، المعروفة بالعبرية باسم יחידה 504 – يِحيِدَة 504، وهي وحدة الاستخبارات البشرية HUMINT – מודיעין אנושי التابعة لشعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية «أمان» אגף המודיעין في الجيش الإسرائيلي، وليست جهازًا تابعًا للموساد.
تأسست الوحدة 504 عام 1948، وتخصصت منذ نشأتها في جمع المعلومات من المصادر البشرية وتشغيل العملاء والمصادر في المناطق التي تعتبرها إسرائيل ساحات ذات أهمية أمنية وعسكرية. ويُعرف ضباط تشغيل المصادر فيها باسم קת”ם – קצין תפקידים מיוחדים، وهم ضباط متخصصون في إدارة وتشغيل المصادر البشرية، بحيث يقوم ضابط التشغيل ببناء العلاقة مع المصدر وتقييمه وتطويرها وإدارة عملية الحصول على المعلومات منه. ويختلف هذا النوع من العمل عن الاستخبارات التي تعتمد بصورة أساسية على التنصت أو الصور الجوية أو الوسائل التقنية، لأن جوهر 504 هو الإنسان الموجود داخل البيئة المستهدفة، والقادر على الوصول إلى معلومات لا يمكن الحصول عليها بسهولة بواسطة الوسائل التقنية وحدها.
وتقوم فلسفة العمل البشري في 504 على بناء شبكة من المصادر، وقد يكون المصدر شخصًا عاديًا أو صاحب مهنة أو موظفًا أو شخصًا يمتلك علاقات اجتماعية أو قدرة على الوصول إلى مواقع أو معلومات معينة. وفي الحالة اللبنانية، اكتسب هذا النوع من العمل أهمية خاصة بسبب طبيعة الساحة اللبنانية وتركيبتها السياسية والأمنية والعسكرية وتعدد البيئات التي يمكن أن توفر مصادر للمعلومات. وتظهر المواد التاريخية المنشورة عن الوحدة أن نشاطها في لبنان يعود إلى مراحل مبكرة من تاريخ إسرائيل، وأنها عملت على بناء علاقات مع مصادر داخل الجنوب اللبناني ومناطق أخرى، مع تطور هذه الشبكات وفق الظروف الأمنية والسياسية والعسكرية.
ومن هنا تظهر أهمية مصطلح المحرّك أو ضابط التشغيل، أي الشخص الذي يمثل حلقة الوصل بين المؤسسة الاستخبارية والمصدر البشري. فالعلاقة الاستخبارية لا تقوم بالضرورة على اتصال مباشر ومستمر بين الجهاز والعميل، وإنما يمكن أن تمر عبر ضابط تشغيل يتولى بناء العلاقة وإدارتها وتحديد نوع المعلومات المطلوبة، بينما يتولى المصدر جمع المعلومات من داخل البيئة اللبنانية. ولذلك يمكن النظر إلى الشبكة على عدة مستويات: جهة استخبارية، ضابط تشغيل، مصدر أو عميل، ثم معلومات يجري تحليلها واستثمارها.
ولا تبدأ عملية التجنيد بالضرورة بطلب معلومات حساسة. ففي التجنيد البشري التقليدي يمكن أن تبدأ العلاقة من معرفة شخصية أو علاقة اجتماعية أو مهنية، ثم يجري اختبار الشخص ومدى استعداده للتعاون قبل الانتقال إلى مهام أكثر أهمية. وقد تكون دوافع التجنيد مالية أو شخصية أو مرتبطة بالابتزاز أو الحاجة أو الطموح أو الخلافات، بحسب كل حالة. ولذلك تكشف بعض ملفات العملاء الذين أوقفوا في لبنان أن العلاقة مع المشغّل الإسرائيلي استمرت لفترات طويلة قبل اكتشافها.
ويجب هنا عدم الخلط بين 504 والموساد – המוסד. فالموساد هو جهاز الاستخبارات الخارجية الإسرائيلي، بينما 504 جزء من الاستخبارات العسكرية التابعة للجيش الإسرائيلي. وقد تظهر في بعض الملفات اللبنانية تسميات إعلامية مختلفة للجهة المشغلة، لذلك ينبغي العودة إلى الوثيقة أو التحقيق أو البيان الأمني الذي يحدد الجهة المنسوبة إليها عملية التشغيل، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بأسماء المشغلين أو الأسماء الحركية.
ومنذ بداية الألفية الجديدة ظهرت في لبنان سلسلة من القضايا التي كشفت طبيعة هذا النشاط. ففي شباط وآذار 2002 كشفت مديرية المخابرات في الجيش اللبناني شبكة اتُّهم أفرادها بالعمل لمصلحة إسرائيل، وكان من أبرز الأسماء التي ظهرت في القضية حسن هاشم، عماد حسين الرز، محمد عبد العزيز أبي ملحم، رضوان خليل الحاج وهنادي رمضان. وبحسب الرواية الرسمية للجيش اللبناني، جمعت الشبكة معلومات عن تحركات ومراكز الجيشين اللبناني والسوري ونشاطات المقاومة وشخصيات سياسية ومؤسسات اقتصادية ومصرفية وسياحية، كما أشارت التحقيقات إلى لقاءات مع ضباط إسرائيليين خارج لبنان.
وتكتسب قضية 2002 أهمية خاصة بالنسبة إلى ملفنا لأن القرار الاتهامي المنشور آنذاك أورد اسم ريمون جرجس أبو ضاهر، ووصفه بأنه محرّك في جهاز 504 متخفيًا بصفة تاجر شوكولا وملبّس، إلى جانب أسماء أخرى ظهرت في سياق التحقيقات. وتكشف هذه القضية بوضوح أحد النماذج التي يمكن أن تعتمد عليها الاستخبارات البشرية: بناء علاقة، استثمار غطاء اجتماعي أو مهني، ثم إدارة مصدر بشري قادر على الوصول إلى المعلومات.
وفي القضية نفسها ظهرت ملامح أسلوب يعتمد على بناء العلاقات الشخصية واستغلال الظروف المالية والاجتماعية ثم تحويل العلاقة تدريجيًا إلى قناة لجمع المعلومات. وتحدثت المواد المنشورة عن تجنيد أشخاص عبر معارفهم وعلاقاتهم وعن لقاءات مع ضباط إسرائيليين خارج لبنان، فيما أشارت الرواية الرسمية إلى قيام أفراد من الشبكة بتجنيد أشخاص آخرين وتأمين لقاءات لهم مع ضباط إسرائيليين. وهنا تظهر إحدى السمات الأساسية التي ستتكرر في عدد من الملفات اللبنانية، وهي أن الهدف لم يكن دائمًا الحصول على معلومة منفردة، بل إنشاء سلسلة بشرية قابلة للتوسع من شخص إلى آخر.
عام 2006 انتقل النشاط الذي كشفت عنه الأجهزة اللبنانية إلى مستوى أكثر خطورة، مع قضية محمود رافع وشبكته. فقد أعلنت مديرية المخابرات في الجيش اللبناني توقيف أفراد شبكة قالت إنها تعمل لمصلحة المخابرات الإسرائيلية، وربطت التحقيقات الشبكة بعدة عمليات اغتيال، بينها اغتيال محمود ونضال مجذوب في صيدا عام 2006، كما نسبت إلى رافع خلال التحقيقات معلومات عن عمليات أخرى. وأعلن الجيش أن أفراد الشبكة خضعوا لتدريبات داخل إسرائيل وخارجها، وضُبطت بحوزتهم معدات ووسائل اتصال.
وفي العام نفسه ظهرت قضايا أخرى مرتبطة بشبكات تجسس داخل بيروت والجنوب والضاحية الجنوبية، وتحدثت التقارير اللبنانية عن وسائل اتصال متطورة وعن مهام استطلاع وتحديد مواقع. وتكشف هذه المرحلة أن العمل لم يعد مقتصرًا على جمع المعلومات العامة، بل وصل في بعض القضايا إلى مراقبة أهداف ومواقع وشخصيات وإعداد معلومات يمكن استخدامها في عمليات أمنية أو عسكرية.
وفي عام 2008 برزت قضية الأخوين علي ويوسف الجراح، اللذين أوقفتهما مديرية المخابرات واتُّهما بالتعامل مع إسرائيل. وتكتسب هذه القضية أهمية خاصة لأنها أظهرت نموذجًا مختلفًا نسبيًا، يقوم على قدرة الشخص على الحركة داخل محيطه الاجتماعي والمهني بصورة طبيعية، بما يسمح له بالوصول إلى معلومات ومواقع دون إثارة الشبهات. وقد نسبت التحقيقات إلى علي الجراح جمع معلومات عن مواقع ومؤسسات في لبنان، فيما أصبحت القضية واحدة من الملفات البارزة في سلسلة مكافحة التجسس التي شهدها لبنان خلال تلك السنوات.
ثم جاءت سنة 2009 باعتبارها إحدى أكبر مراحل كشف الشبكات الإسرائيلية في لبنان، حيث تتابعت التوقيفات بصورة واسعة. بدأت القضية الأشهر مع العميد المتقاعد في الأمن العام أديب العلم، وزوجته حياة صالومي وابن شقيقه جوزيف العلم، إلى جانب نقولا أسعد حبيب المتواري، ووجه القضاء العسكري إليهم اتهامات بالتعامل مع إسرائيل. وتوسعت التحقيقات لاحقًا لتطال أسماء أخرى، بينها علي منتش ومحمد عوض وآخرون، وأظهرت التقارير في ذلك الوقت أن الأجهزة اللبنانية كانت تتعامل مع منظومة متعددة الحلقات وليس مع خلية منفردة.
وتكشف الملفات المنشورة عن تلك المرحلة أن بعض الشبكات امتدت لسنوات طويلة، وأن طبيعة المعلومات التي جرى جمعها تجاوزت المجال العسكري المباشر لتشمل مواقع وتحركات ومؤسسات وشخصيات ومعلومات ذات طابع أمني وسياسي. كما ظهرت أسماء أخرى في قضايا التجسس خلال 2009 و2010، بينها مروان فقيه، ناصر نادر، زياد الحمصي، منصور دياب، غزوان شاهين، شربل قزي، طارق الربعة، ميلاد عيد وفايز كرم، مع اختلاف طبيعة الاتهامات والأدوار المنسوبة إلى كل شخص، وهو ما يفرض التعامل مع كل ملف على حدة وعدم وضع جميع الأسماء في خانة واحدة من دون مراجعة الأحكام والقرارات القضائية الخاصة بكل قضية.
ومن خلال تتبع هذه السلسلة منذ 2002 وصولًا إلى 2010، يظهر نمط استخباري واضح في عدد من الملفات: الاعتماد على مصادر بشرية لبنانية، الاستفادة من المواقع المهنية والاجتماعية، بناء العلاقة بصورة تدريجية، ثم تحويل المصدر إلى حلقة ضمن شبكة أوسع لجمع المعلومات. وتظهر في الدراسات الأمنية اللبنانية إشارات إلى استخدام أساليب مثل استغلال الحاجة المالية والظروف الشخصية والابتزاز والخداع للوصول إلى الأشخاص المستهدفين، وهي عوامل تجعل التجنيد البشري عملية طويلة الأمد وليست بالضرورة عملية مباشرة تبدأ بطلب التجسس منذ اللقاء الأول.
لكن التطور الأهم في السنوات اللاحقة تمثل في انتقال جزء من عملية الاستدراج من المجال الميداني إلى الفضاء الإلكتروني. ففي كانون الأول 2020 أصدر الجيش اللبناني تحذيرًا للمواطنين من قبول طلبات صداقة أو التواصل مع حسابات مشبوهة على فايسبوك تحمل اسم «الموساد» وتدعو إلى التواصل أو الانضمام إليه. وقد شكل ذلك مؤشرًا واضحًا على أن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت إحدى ساحات الاستهداف والتواصل التي تستوجب الانتباه الأمني.
ومع تطور وسائل التواصل، أصبح الاستدراج الإلكتروني أكثر اتساعًا. ففي تشرين الأول 2024 حذر الجيش اللبناني من محتوى وروابط وتطبيقات تنشر عبر منصات التواصل الاجتماعي بهدف استدراج المواطنين إلى مواقع مخصصة لجمع المعلومات أو تجنيد العملاء، كما تحدثت المديرية العامة للأمن العام عن اكتشاف أشخاص وقعوا ضحية عمليات تجنيد لمصلحة إسرائيل، الأمر الذي يعكس تحولًا في طريقة الوصول إلى الفئات المستهدفة، من الانتقال واللقاء المباشر إلى استخدام الهاتف والحسابات والمنصات الرقمية.
وفي كانون الأول 2025 حذرت المديرية العامة للأمن العام اللبناني من صفحات تحمل اسم «الوحدة 504» على فايسبوك وإنستغرام ومنصة X، وقالت إن النشاط الإلكتروني لهذه الصفحات يهدف إلى التجنيد لمصلحة إسرائيل. وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة لأنها تنقل اسم الوحدة نفسها إلى المجال العام، بعدما كانت عمليات التجنيد التقليدية تعتمد بصورة أكبر على قنوات شخصية وسرية، وتفتح المجال أمام الوصول إلى عدد أكبر من الأشخاص داخل لبنان.
وفي 13 آذار 2026 وصل هذا الأسلوب إلى مستوى أكثر علنية، بعدما أعلن الجيش اللبناني أن طائرة إسرائيلية ألقت فوق بيروت منشورات تتضمن رموز QR تقود إلى قنوات تواصل مرتبطة بالوحدة 504، وحذر المواطنين من مسح الرموز أو الدخول إلى الروابط بسبب المخاطر الأمنية وإمكانية الوصول إلى بيانات الأجهزة والهواتف. وبذلك أصبحت وسائل الاستدراج الحديثة أكثر مباشرة، إذ لم يعد الوصول إلى الشخص يتطلب بالضرورة وجود وسيط بشري معروف، وإنما يمكن أن تبدأ العملية من هاتف أو حساب إلكتروني أو رابط يصل إلى المستخدم مباشرة.
وعند وضع هذه السنوات كلها في خط واحد، تظهر أمامنا صورة متحركة للنشاط الاستخباري الإسرائيلي في لبنان: من شبكات تعتمد على العلاقات الشخصية والوسيط المحلي واللقاءات السرية، إلى منظومات أكثر اعتمادًا على وسائل الاتصال الحديثة والتواصل الإلكتروني. لكن العنصر الأساسي بقي واحدًا، وهو محاولة الوصول إلى الإنسان الموجود داخل البيئة اللبنانية وتحويله إلى مصدر للمعلومات أو حلقة في شبكة أوسع. وهذا لا يعني أن كل شبكة قديمة استمرت إلى اليوم، ولا أن كل حساب إلكتروني يحمل اسم الموساد أو 504 هو بالضرورة حساب رسمي، وإنما يعني أن هناك انتقالًا موثقًا في أدوات الاستدراج، وهو انتقال يستحق الدراسة والمتابعة.
وتشير الوقائع المعلنة بين 2020 و2026 إلى أن الساحة اللبنانية دخلت مرحلة جديدة من التجنيد الإلكتروني، حيث أصبحت منصات التواصل وسيلة لاستهداف الأفراد واختبار قابلية التواصل معهم، ثم محاولة نقل العلاقة من المجال المفتوح إلى قنوات أكثر خصوصية. وفي المقابل، تكشف القضايا القديمة أن هذا الأسلوب الإلكتروني لا يلغي الأسلوب البشري التقليدي، بل يمكن أن يكون مدخلًا جديدًا إليه، بحيث تبدأ العلاقة من حساب أو رسالة ثم تتطور، في حال نجاح الاستدراج، إلى مصدر معلومات أو شبكة أوسع.
ومن هنا يبدأ الجزء الثاني من الملف، وهو الجزء الأكثر حساسية، حيث سيتم الانتقال من الخط التاريخي العام إلى الأسماء الحركية المنسوبة إلى مشغّلين إسرائيليين، والشبكات والأشخاص الذين ارتبطت بهم، إلى جانب الأسماء التي ظهرت في قضايا التجنيد الحديثة منذ 2020 وحتى 2026. وسيتم التعامل مع كل اسم وفق معيار واضح يفصل بين الهوية المثبتة والاسم الحركي والمعلومة غير المؤكدة، مع مقارنة المعطيات المتوافرة بالمصادر المفتوحة والبيانات الرسمية والملفات القضائية حيثما أمكن.
تابعونا في الملف السري الثاني، حيث ننتقل إلى مرحلة أكثر حساسية، تتناول الأسماء الحركية المنسوبة إلى مشغّلين إسرائيليين، والشبكات والأشخاص الذين ارتبطت بهم، إلى جانب أساليب التجنيد عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وذلك استنادًا إلى المعلومات والوثائق والمعطيات التي سيتم عرضها ومقارنتها بالمصادر المتاحة.
د.جمال خليفة
