مصر أمام لحظة استراتيجية فاصلة: سيناء ورفح بين إعادة التموضع العسكري والتحولات الإقليمية
تشهد الساحة المصرية خلال الأسبوعين الأخيرين تطورات متسارعة فرضت على القاهرة التعامل مع مشهد إقليمي مختلف بصورة واضحة، خصوصاً مع استمرار الحرب في غزة واقتراب العمليات العسكرية من منطقة رفح، وما يرافق ذلك من تحركات عسكرية وأمنية على جانبي الحدود المصرية ـ الفلسطينية. ويبدو أن مصر دخلت مرحلة إعادة تقييم شاملة لحساباتها الأمنية، بعدما أصبحت التطورات في غزة مرتبطة بصورة مباشرة بأمن سيناء وحدودها الشرقية وبقدرتها على منع انتقال الحرب إلى أراضيها.
ويأتي هذا التصعيد في توقيت بالغ الحساسية بالنسبة للقاهرة، إذ لم تعد رفح مجرد منطقة حدودية، بل تحولت إلى نقطة تماس استراتيجية بين الأمن القومي المصري والحرب الدائرة في غزة. ومع ظهور مواقع ومنشآت عسكرية إسرائيلية جديدة أو موسعة داخل رفح الفلسطينية وقرب الحدود المصرية، تزداد المخاوف المصرية من أن يؤدي استمرار العمليات إلى فرض واقع ميداني جديد، سواء من خلال السيطرة العسكرية أو النزوح أو تغيير طبيعة المنطقة الحدودية. وفي المقابل، تعمل مصر على تعزيز الرقابة والانتشار الأمني والعسكري في شمال سيناء، بما يتيح لها التعامل مع أي تطور مفاجئ ومنع انتقال تداعيات الحرب إلى الأراضي المصرية.
القاهرة تدرك أن أخطر سيناريو بالنسبة إليها هو تحول سيناء إلى منطقة استقبال دائمة للنازحين من قطاع غزة، لأن مثل هذا التطور سيغير المعادلة الأمنية والسياسية في المنطقة ويضع مصر أمام أزمة طويلة الأمد. لذلك أصبح رفض التهجير إلى سيناء جزءاً أساسياً من الموقف المصري، بالتوازي مع استمرار القاهرة في التأكيد على ضرورة بقاء القضية الفلسطينية داخل الأراضي الفلسطينية وعدم تحويل الحرب إلى أزمة حدودية مصرية.
وفي الداخل المصري، تحاول الدولة ضبط المشهد السياسي والأمني مع الحفاظ على مستوى واضح من التضامن الشعبي والرسمي مع الفلسطينيين. فالقاهرة تريد أن تبقى القضية الفلسطينية حاضرة في الوعي العام، لكنها في الوقت نفسه لا تريد أن تتحول الحرب في غزة إلى حالة اضطراب داخلي تستغلها أطراف سياسية أو إقليمية. ولذلك فإن التعامل مع الشارع والمؤسسات السياسية والأمنية يقوم على معادلة دقيقة تجمع بين التعبير عن الموقف المصري من غزة والمحافظة على الاستقرار الداخلي.
أما الجيش المصري، فإن إعادة الانتشار والجاهزية في سيناء لا تعني بالضرورة أن القاهرة تتجه إلى حرب مباشرة، وإنما تعكس ارتفاع مستوى التهديد على الحدود. فمصر تدرك أن أي عملية عسكرية واسعة في رفح يمكن أن تفرض عليها واقعاً جديداً، ولذلك تحتاج إلى امتلاك القدرة على مراقبة الحدود والتعامل مع أي موجة نزوح أو اختراق أمني أو تغيير ميداني مفاجئ. وهذا يجعل سيناء اليوم واحدة من أكثر المناطق حساسية في الحسابات العسكرية المصرية.
وتكمن أهمية التطورات الحالية أيضاً في أن مصر تحاول الحفاظ على دورها كطرف أساسي في الملف الفلسطيني، وفي الوقت نفسه حماية مصالحها الأمنية. فالقاهرة لا تريد خسارة موقعها كوسيط بين الأطراف، لكنها تدرك أن استمرار الحرب وتوسعها قد يقللان من هامش الحركة السياسية ويجعلان أي خطأ ميداني على الحدود قابلاً للتحول إلى أزمة مباشرة.
ومن هنا يمكن فهم التحرك المصري على أنه محاولة لضبط الميدان قبل أن يخرج عن السيطرة، وليس مجرد رد فعل على حدث منفرد. فالقاهرة تريد أن تبقى صاحبة القرار في حدودها، وأن تمنع أي قوة خارجية من فرض أمر واقع بالقرب من الأراضي المصرية، وأن تحافظ على قدرة الدولة على التحكم بالمعابر والمناطق الحدودية وشبكة الأمن في شمال سيناء.
أما مجلس الشعب والمؤسسات السياسية، فمن المرجح أن تستمر في التعبير عن الموقف الرسمي الداعم للقضية الفلسطينية والرافض لتهجير سكان غزة، مع التركيز على أن الأمن القومي المصري يمثل الخط الأحمر الأساسي في أي تطور مرتبط بالحرب. وفي هذا السياق، سيبقى الملف الفلسطيني حاضراً بقوة في الخطاب السياسي المصري، لكن القرار المتعلق بالانتشار العسكري والحدود سيظل في يد مؤسسات الدولة المختصة.
إقليمياً، تشهد العلاقة المصرية ـ التركية مرحلة مختلفة عن السنوات السابقة، مع اتساع مساحة التفاهم بين القاهرة وأنقرة حول عدد من الملفات الإقليمية. ويكتسب هذا التقارب أهمية إضافية مع التطورات الأمنية الجديدة في المنطقة، وخصوصاً مع بروز ترتيبات دفاعية تجمع السعودية وتركيا وباكستان، وطرح إمكانية التحاق مصر بها. وإذا انتقلت القاهرة فعلاً إلى هذه المنظومة، فإن ذلك سيعني تحولاً مهماً في موقع مصر داخل التوازنات الإقليمية، لكنه في الوقت نفسه سيحتاج إلى حسابات دقيقة تتعلق بعلاقاتها الدولية والتزاماتها العسكرية والسياسية.
أما ما يُتداول حول انضمام مصر إلى اتفاق مكة، فلا يمكن اعتباره قراراً مصرياً نهائياً في الوقت الحالي. لكن مجرد طرح الفكرة يحمل دلالة سياسية كبيرة، لأنه يعكس محاولة لبناء شبكة أمن إقليمية جديدة تضم دولاً ذات ثقل عسكري وسياسي، وقد تصبح مصر إحدى ركائزها إذا قررت القاهرة الانتقال من التنسيق السياسي إلى المشاركة الأمنية والمؤسسية.
وفي الجانب الإسرائيلي، فإن أي استمرار في إنشاء أو توسيع المواقع العسكرية قرب رفح سيضع العلاقات المصرية ـ الإسرائيلية أمام اختبار بالغ الحساسية. فالقاهرة تستطيع التعامل مع ترتيبات عسكرية محدودة على الجانب الآخر من الحدود، لكنها ستكون أمام معادلة أكثر صعوبة إذا تحولت هذه المواقع إلى بنية عسكرية دائمة أو ارتبطت بسيطرة طويلة الأمد على المنطقة المحاذية للحدود المصرية.
وهنا تصبح رفح نقطة الاختبار الحقيقية. فإذا بقيت التطورات ضمن حدود عسكرية يمكن احتواؤها، تستطيع القاهرة مواصلة سياسة الضغط السياسي والتحرك الدبلوماسي وتعزيز الانتشار الأمني. أما إذا حدث تغيير كبير في وضع رفح أو بدأت موجات نزوح واسعة باتجاه الحدود، فإن مصر ستكون مضطرة إلى اتخاذ إجراءات أكثر صرامة لحماية حدودها ومنع فرض واقع جديد عليها.
وعليه، فإن ما تشهده مصر اليوم لا يمكن اختزاله في مجرد رد فعل على الحرب في غزة، بل يمثل مرحلة إعادة تموضع استراتيجي شاملة. الدولة المصرية تحاول ضبط حدودها، حماية سيناء، منع التهجير، الحفاظ على دورها في القضية الفلسطينية، وإعادة ترتيب علاقاتها الإقليمية في وقت تتغير فيه موازين القوى في الشرق الأوسط.
والخلاصة أن مصر تقف أمام لحظة مفصلية، لكن الحسم لن يكون بالضرورة عسكرياً. الحسم الحقيقي سيكون في قدرة القاهرة على منع انتقال الحرب إلى سيناء، والحفاظ على سيطرتها الكاملة على حدودها، وإدارة الداخل المصري، وفي الوقت نفسه بناء شبكة إقليمية جديدة تمنحها هامشاً أكبر للحركة. أما رفح، فقد أصبحت بالنسبة إلى مصر أكثر من ملف فلسطيني؛ أصبحت اختباراً مباشراً للأمن القومي المصري ولقدرة الدولة على منع فرض أمر واقع جديد على حدودها.
د.جمال خليفة
