GeneralNewsTOP STORIESWordPress

حريق كريات أربع.. أكثر من 600 مركبة في قلب النار: حادث عرضي أم إحراق متعمد؟

في حادثة أثارت تساؤلات أمنية واسعة في مستوطنة كريات أربع قرب الخليل، اندلع حريق ضخم مساء السبت في ساحة تضم أعدادًا كبيرة من المركبات المخصصة للتفكيك، قبل أن تتحول النيران خلال وقت قصير إلى حريق واسع النطاق التهم مئات المركبات، وسط تداول تقديرات تتحدث عن أكثر من 600 مركبة، فيما تشير المعطيات الإسرائيلية المتاحة بصورة أكثر تحفظًا إلى احتراق مئات السيارات. ومنذ اللحظات الأولى لم يكن حجم النيران هو العامل الوحيد الذي لفت الانتباه، بل طبيعة المكان، وسرعة انتشار الحريق، وحجم القوات التي اضطرت إلى التعامل معه، إضافة إلى دخول فرضية الإحراق المتعمد إلى دائرة التحقيق.

الحريق اندلع في المنطقة الصناعية بكريات أربع داخل ساحة للمركبات المعدة للتفكيك، وبدأت فرق الإطفاء بالوصول إلى المكان مع انتشار كثيف للدخان وارتفاع كبير في الحرارة. ومع اتساع رقعة النيران، جرى استدعاء عشرات فرق الإطفاء من المنطقة ومناطق مجاورة، وبلغت الاستجابة في إحدى مراحلها 17 فريق إطفاء، فيما شاركت قوات من الجيش بتوفير المياه، وأغلقت الشرطة الطرق المحيطة لتأمين عمل فرق الطوارئ ومنع اقتراب المدنيين. كما دخلت آليات هندسية إلى الموقع لإبعاد المركبات التي لم تصل إليها النيران ومحاولة إنشاء مسافات عازلة بين بؤر الاشتعال والمركبات الأخرى.

خطورة الحريق تضاعفت بسبب طبيعة الموقع نفسه، فوجود مئات المركبات المتقاربة وفّر كمية كبيرة من المواد القابلة للاشتعال، بينما أدت النيران إلى انفجار عدد من أسطوانات الغاز الموجودة في المكان، كما تضررت خطوط كهرباء ذات جهد عالٍ. هذه العوامل مجتمعة جعلت الحريق أكثر تعقيدًا، وحولت السيطرة عليه إلى عملية واسعة احتاجت إلى توزيع فرق الإطفاء على عدة محاور لمنع انتقال النيران إلى ساحة مركبات أخرى مجاورة.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه ليس فقط كيف اتسع الحريق، وإنما كيف بدأ أصلًا. فبعد التعامل مع الخطر المباشر ومنع انتقال النيران إلى المناطق السكنية، دخل محققو الحرائق على خط الحادث لفحص احتمال أن تكون النار قد اندلعت نتيجة إحراق متعمد. وهذه النقطة هي الأكثر حساسية في الحادثة، لأن مجرد فتح هذا الاحتمال يعني أن التحقيق لا يتعامل مع الحريق على أنه حادث عرضي محسوم، بل يبحث في ظروف البداية ومصدر الاشتعال وما إذا كانت هناك مؤشرات لا تتوافق مع الاشتعال غير المقصود.

حتى الآن لا توجد نتيجة نهائية تسمح بالقول إن الحريق كان عملية تخريب أو إحراقًا متعمدًا، كما لا توجد نتيجة نهائية تسمح بإغلاق هذا الاحتمال. ويُفترض أن تبدأ الصورة الفنية بالتشكل بعد انتهاء عمليات الإخماد وتبريد الموقع، لأن تحديد نقطة البداية ومسار انتشار النار وفحص بقايا المركبات والمنشأة يمثل أساسًا في تحديد السبب الحقيقي للحريق.

وهنا تظهر مجموعة من الأسئلة التي ستكون حاسمة في التحقيق: أين كانت نقطة الاشتعال الأولى؟ وهل بدأت النار من موضع واحد أم ظهرت في أكثر من منطقة؟ وهل توجد كاميرات مراقبة تغطي مداخل الساحة ومحيطها؟ وهل يمكن تحديد توقيت بداية الحريق بدقة؟ وهل عُثر على أي مادة أو وسيلة يمكن أن تشير إلى استخدام مصدر إشعال متعمد؟ وهل كانت هناك حركة غير اعتيادية قرب الساحة قبل اندلاع النيران؟ والأهم، هل يتوافق نمط انتشار الحريق مع حريق عرضي بدأ من مصدر واحد، أم أن المعطيات الميدانية ستشير إلى أكثر من بؤرة اشتعال؟

في المقابل، توجد فرضية الحادث العرضي التي لا يمكن إسقاطها. فالساحة مخصصة للمركبات المعدة للتفكيك، وتضم أعدادًا كبيرة من السيارات المتقاربة، كما أن وجود أسطوانات غاز وخطوط كهرباء عالية التوتر يوفر عوامل يمكن أن تؤدي إلى تطور سريع وخطير للحريق بمجرد حدوث الاشتعال. ولذلك فإن ضخامة الخسائر لا تشكل بحد ذاتها دليلًا على وجود عمل متعمد.

لكن في الجانب الآخر، فإن حجم الاستجابة الرسمية، والاستمرار في مكافحة الحريق لساعات طويلة، واستدعاء فرق من مناطق مختلفة، والاستعانة بقوات الجيش لتوفير المياه، كلها تعطي صورة عن حادث استثنائي من حيث الحجم والتعقيد، وإن كانت هذه المعطيات لا تثبت وحدها وجود خلفية أمنية.

وتزداد أهمية القضية لأن المكان يرتبط بالمركبات المحتجزة والمتداولة في المنطقة، فيما انتشرت على وسائل التواصل والإعلام العربي روايات تصف الموقع بأنه ساحة تابعة للشرطة الإسرائيلية لحجز المركبات. غير أن الوصف الذي يظهر في التقارير الإسرائيلية المتاحة هو ساحة مركبات مخصصة للتفكيك في المنطقة الصناعية، ولذلك يجب الفصل بين ما هو مؤكد ميدانيًا وما هو متداول إعلاميًا، خصوصًا عند الحديث عن صفة الموقع والجهة التي تديره.

الحريق، في هذه الحالة، لا يُقاس فقط بعدد السيارات التي احترقت، وإنما بما يمكن أن يكشفه التحقيق عن لحظة البداية. فإذا أثبتت المعاينة الفنية أن النار بدأت من مصدر عرضي واحد، وأن مسارها يتطابق مع ظروف الموقع، فإن الحادث سيبقى ضمن إطار الحوادث الصناعية أو التشغيلية الكبيرة. أما إذا ظهرت أدلة على وجود أكثر من نقطة اشتعال، أو آثار لمصدر إشعال خارجي، أو تسجيلات لحركة مشبوهة قبل الحريق، فإن القضية ستنتقل من حادث حريق واسع إلى ملف أمني مختلف تمامًا.

ولهذا فإن الإجابة عن السؤال الكبير، «هل كان الحريق مقصودًا أم لا؟»، ما زالت معلقة حتى انتهاء التحقيق الفني. المؤكد حتى الآن هو أن الحريق كان واسعًا، وأن مئات المركبات تضررت، وأن أسطوانات غاز انفجرت وأن خطوط كهرباء عالية التوتر تضررت، وأن فرق الإطفاء والجيش والشرطة شاركت في احتواء الحادث، وأن فرضية الإحراق المتعمد موجودة رسميًا ضمن نطاق الفحص. أما تحويل هذه الفرضية إلى حقيقة، فيحتاج إلى دليل فني واضح لا إلى حجم الحريق وحده.

وفي انتظار نتائج التحقيق، يبقى حريق كريات أربع واحدًا من الحوادث التي تفرض أكثر من علامة استفهام: لماذا اندلعت النار في هذا الموقع تحديدًا؟ كيف انتشرت بهذه السرعة؟ وهل كان ما حدث مجرد حادث ضخم ساعدت طبيعة المكان على تضخيمه، أم أن وراء البداية فعلًا متعمدًا لم تكشفه النيران بعد؟ الإجابة لن تأتي من الصور المتداولة ولا من عدد المركبات المحترقة، وإنما من نقطة البداية التي سيحاول محققو الحرائق تحديدها داخل بقايا الساحة المحترقة.

وبالتالي، فإن العنوان الأهم في هذه القضية ليس «600 مركبة احترقت» فقط، بل السؤال الذي سيحدد طبيعة الحادث بالكامل: حريق كريات أربع.. صدفة اشتعلت في ساحة سيارات، أم نار أُشعلت عمدًا ثم خرجت عن السيطرة؟

د.جمال خليفة