مخيم الرشيدية تحت المجهر: من يسيطر على المخيم؟ خريطة الفصائل والقيادات والسلاح بعد دخول الجيش اللبناني
يقع مخيم الرشيدية جنوب مدينة صور بنحو خمسة كيلومترات، على الساحل اللبناني، ويُعد أحد أكبر المخيمات الفلسطينية في منطقة صور من حيث المساحة. تبلغ مساحة المخيم بحسب مركز المعلومات الوطني الفلسطيني نحو 267.2 دونماً، أي ما يقارب 0.267 كيلومتر مربع، ويتألف تاريخياً من قسم قديم وقسم جديد؛ فالجزء القديم يعود إلى عام 1936، فيما أنشأت الأونروا القسم الجديد عام 1963 لاستيعاب اللاجئين الفلسطينيين. وتتميز الرشيدية بموقعها الجنوبي القريب من الحدود الفلسطينية، الأمر الذي منحها طوال عقود أهمية سياسية ووطنية خاصة داخل منظومة المخيمات الفلسطينية في لبنان.
أما بالنسبة إلى عدد السكان، فهناك فارق كبير بين عدد المسجلين لدى الأونروا وعدد المقيمين فعلياً. الأونروا كانت تسجل 36,595 لاجئاً في الرشيدية حتى كانون الأول 2023، إلا أن تعداد السكان والمساكن في المخيمات والتجمعات الفلسطينية في لبنان لعام 2017 أحصى 9,656 شخصاً داخل المخيم، بينهم 8,641 لاجئاً فلسطينياً من لبنان، و560 فلسطينياً نازحاً من سوريا، و329 سورياً، و86 لبنانياً، و40 من جنسيات أخرى. ولهذا فإن الرقم الأدق في أي دراسة صحفية هو عرض الرقمين مع توضيح أن رقم الأونروا يمثل المسجلين، بينما رقم التعداد يمثل السكان الذين شملهم التعداد في حينه. وتوجد تقديرات شعبية وأهلية أقدم رفعت عدد المقيمين إلى ما بين 20 و22 ألفاً، لكن هذه التقديرات ليست بديلاً عن الإحصاء الرسمي.
من الناحية الداخلية، تعتمد الحياة اليومية في الرشيدية بدرجة كبيرة على خدمات الأونروا والمؤسسات الفلسطينية. وتدير الأونروا أربع مدارس داخل المخيم تخدم أكثر من 2,388 طالباً من اللاجئين الفلسطينيين، بينها مدرسة ثانوية، كما يوجد مركز صحي تابع للأونروا يقدم خدمات الرعاية الصحية الأولية، وصحة الأم والطفل، وطب الأسنان، والمختبر، والأشعة، والصيدلية، وبعض خدمات الاختصاص، إضافة إلى الصحة المدرسية، ويستقبل المركز في المتوسط نحو 247 مريضاً يومياً وفق بيانات الأونروا المنشورة. كما تقدم الوكالة مساعدات شبكة الأمان الاجتماعي لأكثر من 1,240 عائلة، أي نحو 4,794 فرداً، وفق آخر البيانات المنشورة لديها.
إلى جانب خدمات الأونروا، توجد داخل الرشيدية مؤسسات فلسطينية صحية واجتماعية، وفي مقدمتها مستشفى تل الزعتر التابع لجمعية الهلال الأحمر الفلسطيني، الذي يشكل أحد أبرز المرافق الطبية في منطقة صور. وقد زار السفير الفلسطيني مستشفى تل الزعتر في تشرين الثاني 2024، واطلع من مدير الهلال الأحمر الفلسطيني في منطقة صور الدكتور عماد حلاق على جهوزية الطواقم الطبية والإسعافية وأقسام المستشفى، كما تشير تقارير أخرى إلى أن المستشفى استمر في استقبال الحالات الطبية والإسعافية وخضع خلال السنوات الأخيرة لأعمال تجديد وتطوير.
وتوجد في المخيم كذلك مؤسسات شبابية ونسائية واجتماعية، ومن أبرزها مركز القدس للشباب التابع للاتحاد العام للمرأة الفلسطينية، الذي جرى افتتاح ملعبه بعد إعادة تأهيله في كانون الأول 2025، بحضور مسؤولين فلسطينيين وممثلين عن المؤسسات واللجان الشعبية وأجهزة الأمن الوطني. ويعكس ذلك أن الرشيدية ليست مجرد تجمع سكاني، وإنما تضم شبكة من المؤسسات التعليمية والصحية والاجتماعية والشبابية التي تؤدي دوراً أساسياً في الحياة اليومية للسكان.
أما سياسياً وتنظيمياً، فتُعتبر حركة التحرير الوطني الفلسطيني «فتح» القوة الفلسطينية الأبرز في الرشيدية، وهي صاحبة الحضور الأكبر ضمن فصائل منظمة التحرير الفلسطينية في منطقة صور. ويظهر ذلك بوضوح من استمرار وجود قيادة فتح في المخيم، ومن رعايتها للمصالحات الاجتماعية والأنشطة الوطنية، ومن كون مقر قيادة الحركة في الرشيدية مقراً جامعاً لاجتماعات ومناسبات تضم ممثلين عن الفصائل الفلسطينية المختلفة. ويشغل اللواء توفيق عبد الله منصب أمين سر حركة فتح وفصائل منظمة التحرير الفلسطينية في منطقة صور، وهو من أبرز المسؤولين الفلسطينيين المرتبطين بالرشيدية.
وقد ظهر بهذا الموقع في زيارة السفير الفلسطيني اشرف دبور للمخيم عام 2024، كما ظهر في نشاطات داخل المخيم خلال 2025.
وتظهر داخل بنية فتح في الرشيدية قيادات ومسؤولون محليون اهمهم حاتم كسّاب،بصفته مسؤول وحدة الدفاع في حركة فتح في مخيم الرشيدية.
وتأتي حركة حماس في المرتبة التالية من حيث الحضور السياسي والتنظيمي بين القوى الإسلامية الفلسطينية في المخيم. وجود حماس في الرشيدية موثق ضمن نشاطات الفصائل الفلسطينية في منطقة صور،
نزار الحسين: المسؤول السياسي السابق لحركة حماس في مخيم الرشيدية.
عبد المجيد عوض: المسؤول السياسي لحماس في منطقة صور ومخيماتها.
محمود طه: مسؤول إعلام الحركة في منطقة صور.
أما حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، فلها حضور معروف في منطقة صور والمخيمات الفلسطينية الجنوبية، وتشارك في النشاط السياسي والاجتماعي
ابو العبد عوض هو المسؤول الاقليمي للحركة في صور والجنوب اللبناني .
وتوجد كذلك الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين
يمثلها مازن ابو هيثم مسؤول منطقة صور
احمد مراد ابو ايهاب المسؤول الاعلامي للجبهة في لبنان
محمود فندي نائب رئيس الجبهة.
الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين
وليد فاعور مسؤول الجبهة في المخيم
فؤاد الحسين عضو اللجنة المركزية
اياد صنديد الاتحاد الشبابي للجبهة
وغيرها من فصائل منظمة التحرير، إضافة إلى فصائل فلسطينية أخرى ذات حضور متفاوت.
وتبرز في الرشيدية أيضاً القوى الإسلامية الفلسطينية ضمن المشهد العام للمخيم. وتؤكد أخبار المصالحات والنشاطات الاجتماعية وجود ممثلين عن الفصائل الوطنية والإسلامية الفلسطينية في مناسبات داخل المخيم، إلا أن الرشيدية تختلف عن عين الحلوة من حيث طبيعة المشهد الأمني؛ ولا يوجد اي فصيل اسلامي مثل عصبة الأنصار أو جند الشام أو فتح الإسلام ضمن القوى الرئيسية الفاعلة في الرشيدية.
ومن الناحية الأمنية، كان لحركة فتح وفصائل منظمة التحرير طوال السنوات الماضية دور أساسي في منظومة الأمن الفلسطيني داخل المخيم، من خلال الأمن الوطني والقوة الأمنية واللجان الشعبية. وفي عام 2020، على سبيل المثال، عقد اجتماع للفصائل داخل مقر قيادة فتح في الرشيدية بحضور قائد قوات الأمن الوطني الفلسطيني في لبنان صبحي أبو عرب وقيادات الفصائل واللجان الشعبية والأهلية، في محاولة لمعالجة إشكال أمني داخل المخيم. وتظهر المصادر التاريخية كذلك اسم العقيد غسان عوض بوصفه قائداً للقوة الأمنية في الرشيدية في تلك المرحلة.
أما التطور الأهم الذي غيّر المشهد فهو ملف السلاح الفلسطيني. فقد شهد عام 2025 بدء عملية تسليم السلاح الفلسطيني الثقيل والمتوسط من مخيمات منطقة صور إلى الجيش اللبناني، في إطار الاتفاق اللبناني الفلسطيني على تعزيز سلطة الدولة اللبنانية داخل المخيمات. وتشير المصادر إلى أن حركة فتح وفصائل منظمة التحرير كانت في مقدمة القوى التي دخلت في عملية التسليم، ما يمثل انتقالاً مهماً من مرحلة كانت فيها الفصائل تحتفظ بقدرات عسكرية إلى مرحلة جديدة عنوانها تنظيم الوجود الفلسطيني ضمن إطار أكثر مدنية وأمنية.
وهذا التطور لا يعني اختفاء حركة فتح أو بقية الفصائل من الرشيدية؛ فالفصائل بقيت موجودة سياسياً واجتماعياً وتنظيمياً، وواصلت نشاطها في المصالحات واللجان والمؤسسات والخدمات. لكن الفرق الأساسي أن وجود الفصيل السياسي والتنظيمي لم يعد يعني بالضرورة امتلاكه الوضع العسكري نفسه الذي كان قائماً في العقود السابقة.
وفي المقابل، تشير بيانات الأونروا إلى أن الدخول إلى المخيم وإدخال مواد البناء يخضعان لإجراءات ونقاط تفتيش تابعة للجيش اللبناني، كما تؤكد الوكالة أن إدارة المخيم وشرطته ليست من اختصاصها بل من مسؤولية السلطات المضيفة.
وتظهر الرشيدية في عام 2026 إذاً كمخيم يحتفظ بثقله السياسي والوطني الفلسطيني، لكنه يعيش مرحلة انتقالية واضحة: فتح ما زالت القوة السياسية والتنظيمية الأبرز، وحماس والجهاد الإسلامي والفصائل الأخرى تحتفظ بحضور بدرجات مختلفة، فيما أصبحت الدولة اللبنانية أكثر حضوراً في ملف الدخول والخروج والسيادة الأمنية، بالتزامن مع عملية تسليم السلاح التي بدأت في 2025. أما الحياة الداخلية فتستند إلى منظومة واسعة من مدارس الأونروا ومركزها الصحي ومستشفى تل الزعتر ومؤسسات الهلال الأحمر والاتحادات واللجان الشعبية والمؤسسات الاجتماعية والشبابية.
وبذلك يمكن وصف الرشيدية بأنها أحد أهم مراكز الوجود الفلسطيني في جنوب لبنان، ليس فقط بسبب موقعها ومساحتها وقربها من فلسطين، بل أيضاً بسبب ثقل حركة فتح فيها، ووجود الفصائل الوطنية والإسلامية، وشبكة المؤسسات المدنية والصحية والتعليمية التي تجعل المخيم مجتمعاً قائماً بذاته، فيما يشهد اليوم إعادة تعريف للعلاقة بين الفصائل الفلسطينية والدولة اللبنانية بعد التحول الكبير في ملف السلاح.
د.جمال خليفة
