هل تدخل غزة مرحلة الانفجار الداخلي؟
31/8/2026
لم تعد غزة، في أواخر أغسطس/آب 2026، ساحة عسكرية يمكن اختصارها بالمواجهة بين إسرائيل وحماس وحدهما. داخل القطاع توجد اليوم طبقات متداخلة من القوى: حماس والجهاد الإسلامي، وفصائل فلسطينية تقليدية تمتلك أجنحة مسلحة أو حضورًا تنظيميًا، وقوى مرتبطة بفتح، ولجان وفصائل إسلامية ووطنية أصغر، إلى جانب مجموعات محلية مسلحة ظهرت خلال الحرب وأعلنت صراحة معارضتها لحماس. وتعمل هذه القوى جميعًا فوق جغرافيا مدمرة؛ إذ تشير أحدث التقييمات الأممية إلى أن نحو 201 ألف مبنى ومنشأة في غزة أصابها الضرر، بينها أكثر من 134 ألف منشأة مدمرة، فيما يتركز معظم السكان في مساحة تقل عن نصف مساحة القطاع. وفي الأيام الأخيرة من أغسطس/آب 2026 استمرت الضربات العسكرية وسقوط القتلى، ما يعني أن غزة ما زالت بعيدة عن أي استقرار أمني حقيقي.
حركة حماس، التي تأسست عام 1987، تبقى القوة الفلسطينية الأكثر تنظيمًا داخل قطاع غزة. ويتولى خليل الحية، منذ يوليو/تموز 2026، رئاسة المكتب السياسي للحركة، بعد انتخابه رئيسًا جديدًا للمكتب. أما جناح الحركة العسكري فهو كتائب عز الدين القسام. وقد تكبدت الحركة خسائر كبيرة في قياداتها العسكرية وبنيتها القتالية، إلا أن المعطيات المنشورة لا تسمح باعتبارها قوة منهارة أو مستبعدة من المشهد؛ فالتقديرات الإسرائيلية العلنية التي ظهرت في أواخر 2025 تراوحت بين عشرة آلاف وعشرين ألف مقاتل متبقين، بينما تشير تحليلات أحدث إلى أن الحركة بقيت قادرة على إعادة تنظيم صفوفها واستبدال قسم من خسائرها. وبسبب اختلاف التقديرات وعدم وجود رقم مستقل ومثبت حتى أغسطس/آب 2026، لا يمكن اعتماد رقم نهائي واحد لعدد مقاتليها الحالي. أما التمويل والدعم الخارجي، فتبقى إيران الداعم الحكومي الخارجي الأبرز، إلى جانب شبكات التمويل الدولية والاستثمارات والواجهات المالية المرتبطة بالحركة؛ إذ تؤكد وثائق الخزانة الأميركية لعام 2026 استمرار اعتماد حماس على مصادر تمويل متنوعة، بينها دعم إيراني وشبكات جمع أموال دولية.
حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، التي تأسست عام 1981، تمثل القوة الفلسطينية المسلحة الثانية من حيث الحضور العسكري والتنظيمي داخل غزة. يتولى زياد النخالة منصب الأمين العام، فيما تمثل سرايا القدس جناح الحركة العسكري. وقد فقدت الحركة عددًا من قادتها العسكريين خلال الحرب، ما يجعل تحديد قائد ميداني واحد حالي لسرايا القدس داخل غزة أمرًا لا ينبغي الجزم به من دون إعلان حديث واضح. لكن استمرار الحركة وقدرتها التنظيمية والعسكرية لا يزالان عنصرًا أساسيًا في معادلة القطاع. وتبقى إيران الداعم الخارجي الأبرز للجهاد الإسلامي؛ إذ وثقت وزارة الخزانة الأميركية قنوات تمويل وتدريب وتسليح مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني، كما وصفت إيران بأنها الممول الخارجي الرئيسي للحركة.
الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، التي تأسست عام 1967، هي إحدى القوى اليسارية الرئيسية في منظمة التحرير الفلسطينية، وتمتلك جناحًا عسكريًا هو كتائب الشهيد أبو علي مصطفى. الأمين العام هو أحمد سعدات، بينما يتولى جميل مزهر منصب نائب الأمين العام، وهو من أبرز القيادات المرتبطة بقطاع غزة، وقد أكدت بيانات الجبهة الرسمية الحديثة استمراره نائبًا للأمين العام، كما يظهر حضور تنظيمي ومجتمعي مستمر للجبهة داخل القطاع خلال عام 2026. وفي التقدير العسكري، لا يمكن وضع الجبهة الشعبية في خانة القوى المعادية لحماس والجهاد؛ فهي جزء من البيئة الفصائلية الفلسطينية المقاومة، وشاركت أجنحتها المسلحة ضمن غرفة العمليات المشتركة في غزة. لكن ذلك لا يعني تلقائيًا أنها ستدخل في أي صدام داخلي إلى جانب حماس؛ إذ لا توجد معطيات علنية تسمح بالجزم بموقفها من سيناريو اقتتال فلسطيني داخلي. لذلك فإن توصيفها الأدق هو: فصيل مستقل تنظيميًا، يمتلك حضورًا سياسيًا ومسلحًا، ويقع خارج معسكر المجموعات المحلية المناوئة لحماس. ولم أضع جهة تمويل خارجية لها في هذا التقرير لعدم وجود معطى حديث ومحدد يمكن اعتماده بثقة لهذه الصيغة.
الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، التي تأسست عام 1969، ما زالت حاضرة سياسيًا وتنظيميًا في غزة، ويمثل جناحها العسكري كتائب المقاومة الوطنية، المعروفة تاريخيًا باسم قوات الشهيد عمر القاسم. يتولى فهد سليمان منصب الأمين العام للجبهة، فيما تظهر في المواد التنظيمية الحديثة أسماء قيادية من غزة، بينها وسام زغبر، عضو اللجنة المركزية للجبهة، الذي واصل الكتابة والتعليق على واقع القطاع خلال أغسطس/آب 2026. كما أن الجناح العسكري للجبهة كان ضمن القوى التي شاركت في غرفة العمليات المشتركة لفصائل المقاومة في غزة. ومثل الجبهة الشعبية، لا يمكن إدراج الجبهة الديمقراطية ضمن معسكر حماس بصورة تنظيمية كاملة، ولا ضمن المعسكر المناوئ لها. هي فصيل مستقل، لكنه جزء من البيئة الوطنية والمقاومة التي ترفض تفكيك الساحة الفلسطينية. ولم أضع لها ممولًا خارجيًا في هذا التقرير لعدم توفر معطى حديث ومحدد يصلح لاعتماده بهذه الصيغة.
حركة فتح، التي تأسست عام 1965، ما زالت تمتلك بنية تنظيمية واضحة داخل قطاع غزة رغم سنوات الانقسام والحرب. ويبرز أحمد حلس، المعروف بأبو ماهر، بوصفه عضو اللجنة المركزية للحركة والمفوض العام للتعبئة والتنظيم في الأقاليم الجنوبية وقطاع غزة، وقد أكدت بيانات الحركة الرسمية خلال عام 2026 استمرار تكليفه بهذا الدور. لكن فتح، كتنظيم سياسي رسمي، يجب فصلها عن بعض المجموعات المسلحة المحلية المرتبطة بشخصيات أو بيئات فتحاوية. فالحركة ليست تنظيمًا عسكريًا واحدًا يعمل ضد حماس داخل غزة، كما أن وجود كتائب شهداء الأقصى أو مجموعات منشقة ومرتبطة بفتح لا يعني أن القيادة الرسمية لفتح هي التي تقودها. لذلك فإن موقع فتح في هذا التقدير هو قوة فلسطينية وطنية مستقلة عن حماس والجهاد، لكنها ليست جزءًا واحدًا من شبكة المليشيات المحلية المدعومة إسرائيليًا.
كتائب شهداء الأقصى تمثل اسمًا تاريخيًا للجناح العسكري المرتبط بفتح، وقد ظهرت مجموعات منها ضمن غرفة العمليات المشتركة في غزة، كما وثقت منظمات حقوقية مشاركة عناصر مرتبطة بها في العمليات العسكرية خلال السنوات الأخيرة. إلا أن البنية العسكرية ليست موحدة تحت قائد واحد معلن يمكن تثبيته داخل غزة في الوقت الحالي، ولذلك لا أضع في هذا التقرير اسم قائد عسكري عام للكتائب من دون إعلان حديث واضح. وهذه النقطة مهمة لأن المشهد الفتحاوي المسلح في غزة أصبح أكثر تفككًا وتعددًا من أن يختصر باسم قيادة واحدة.
لجان المقاومة الشعبية، التي تأسست عام 2000، تمثل إحدى القوى المسلحة الأقدم داخل غزة، ويشكل جناحها العسكري ألوية الناصر صلاح الدين. الاسم القيادي المعلن لأمانتها العامة هو أيمن الششنية، المعروف بأبو ياسر، وتظهر بيانات وأنشطة الحركة في الفترة الأخيرة استمرار وجوده في موقع الأمانة العامة، كما استمرت ألوية الناصر صلاح الدين في إصدار بياناتها الإعلامية خلال الحرب. وتنتمي اللجان إلى البيئة الفصائلية المقاومة في غزة، ولا توجد معطيات تجعلها جزءًا من المجموعات المحلية المناوئة لحماس والمدعومة إسرائيليًا. أما التمويل الخارجي، فلم أضع في النسخة الأساسية اسم جهة ممولة محددة، لأن المعلومات التاريخية المتداولة عن الدعم الخارجي لا تكفي، وحدها، لإثبات قناة تمويل حديثة ومستمرة في 2026 بالمعيار الذي اعتمدناه في التقرير.
حركة المجاهدين الفلسطينية خرجت من بيئة فتح خلال الانتفاضة الثانية؛ إذ تأسست بداية عام 2001 باسم كتيبة المجاهدين، قبل أن تتطور إلى حركة المجاهدين الفلسطينية، فيما يمثل كتائب المجاهدين جناحها العسكري. كان أسعد أبو شريعة أمينها العام وقائد جناحها العسكري، لكن إسرائيل اغتالته في يونيو/حزيران 2025 مع شقيقه أحمد أبو شريعة، الذي كان مسؤول ساحة غزة في الحركة. وبسبب فقدان هاتين الشخصيتين، لا أضع في التقرير اسم أمين عام جديد أو قائد ميداني جديد من دون إعلان علني حديث ومثبت. ومع ذلك، تبقى الحركة ذات حضور معروف داخل غزة، وكتائب المجاهدين كانت جزءًا من البيئة العسكرية المشتركة لفصائل المقاومة. ولم أضع جهة تمويل خارجية لها لعدم توفر معطى حديث ومثبت يمكن اعتماده.
حركة الأحرار الفلسطينية تمثل أحد الفصائل الإسلامية الفلسطينية الموجودة في غزة، ويعود تأسيسها إلى عام 2007. الأمين العام المعلن للحركة هو خالد أبو هلال، فيما يمثل كتائب الأنصار جناحها العسكري. وتظهر مواد الحركة المنشورة خلال عام 2026 استمرار نشاطها السياسي والاجتماعي داخل القطاع. كما كان جناحها العسكري ضمن التشكيلات الفصائلية التي ارتبطت بغرفة العمليات المشتركة. وفي تقدير الاصطفافات، لا توجد معطيات تضع الحركة ضمن القوى المحلية المناوئة لحماس، بل ضمن البيئة الفصائلية الفلسطينية المقاومة المستقلة تنظيميًا. ولم أضع لها جهة تمويل خارجية محددة بسبب عدم توفر معطيات حديثة ومثبتة وفق معيار التقرير.
الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين – القيادة العامة تأسست عام 1968، ويقودها طلال ناجي. وتمتلك الجبهة جناحًا عسكريًا معروفًا باسم كتائب جهاد جبريل، وقد أُدرجت ضمن التشكيلات المرتبطة بغرفة العمليات المشتركة في غزة. إلا أن الحضور العسكري والتنظيمي للجبهة داخل غزة أقل وضوحًا من حضور حماس والجهاد والجبهتين الشعبية والديمقراطية، ولذلك لا ينبغي تضخيم حجمها في تقدير القوة الداخلي. وتوجد مصادر رسمية أميركية تاريخية تشير إلى دعم إيراني لهذا الفصيل، لكنني لا أضعه كخط تمويل حالي ومباشر داخل غزة من دون معطيات حديثة تثبت استمرار هذا المسار في عام 2026.
حزب الشعب الفلسطيني، الذي تعود جذوره التنظيمية إلى الحزب الشيوعي الفلسطيني وتأسس بصيغته المعاصرة عام 1982، يمثل قوة سياسية يسارية داخل منظمة التحرير. الأمين العام هو بسام الصالحي. ويثبت النشاط الفصائلي المنشور خلال عام 2026 استمرار وجود الحزب في غزة؛ إذ شارك في ندوات واجتماعات سياسية داخل القطاع، وبرز وليد العوض، عضو المكتب السياسي، في فعاليات مرتبطة بالواقع الغزي. الحزب ليس قوة عسكرية منافسة لحماس، ولا توجد معطيات تسمح بإدخاله في معسكر أي صدام مسلح محتمل. لكن وجوده مهم سياسيًا، لأن أي صيغة مستقبلية لإدارة غزة أو إعادة تشكيل النظام السياسي الفلسطيني لا يمكن تقييمها من دون احتساب الفصائل اليسارية والوطنية التابعة لمنظمة التحرير.
جبهة النضال الشعبي الفلسطيني، التي تأسست عام 1967، يقودها أحمد مجدلاني على المستوى العام، ويظهر من البيانات التنظيمية الحديثة استمرار بنية الجبهة في قطاع غزة وعقدها اجتماعات وتنظيمات انتخابية في المحافظات والمدن والمخيمات. ومن الأسماء القيادية المرتبطة بساحة غزة محمود الزق، عضو المكتب السياسي، إلى جانب أعضاء آخرين في قيادة الساحة. الجبهة سياسية وطنية وليست من القوى العسكرية الرئيسية في غزة، ولذلك لا يمكن وضعها في حساب ميزان السلاح بالطريقة نفسها التي توضع بها حماس أو الجهاد أو اللجان أو المجموعات الجديدة.
الاتحاد الديمقراطي الفلسطيني – فدا، والمبادرة الوطنية الفلسطينية، وقوى أخرى من منظمة التحرير، تظل جزءًا من الخريطة السياسية الفلسطينية، لكن البحث الحالي لم يعطنا اسم مسؤول ميداني أو تنظيمي محلي في غزة يمكن تثبيته بصورة كافية لإدخاله في التقرير بنفس الصيغة التي اعتمدناها لبقية الفصائل. وبما أننا اتفقنا على عدم إدخال أي اسم غير موثق، فقد أبقيت هذه القوى ضمن الخريطة السياسية العامة من دون اختراع مسؤولين محليين أو نسب أدوار عسكرية إليها لا تثبتها المصادر.
أما المجموعات المحلية المسلحة التي ظهرت خلال الحرب، فهي تمثل عنصرًا مختلفًا تمامًا عن الفصائل الفلسطينية التقليدية. قوات الشعب، التي ارتبطت في بدايتها بياسر أبو شباب وظهرت خلال عام 2024، أصبحت بعد مقتله مرتبطة بقيادة غسان الدهيني. وتعمل المجموعة في مناطق من جنوب القطاع، خصوصًا في البيئة الواقعة تحت السيطرة العسكرية الإسرائيلية. وتشير تقارير وتحقيقات منشورة إلى أن إسرائيل قدمت دعمًا وحماية للمجموعة، فيما يعترف مسؤولون إسرائيليون بأن تل أبيب دعمت مجموعات فلسطينية محلية معارضة لحماس. ولذلك، وبحسب معيارنا، يمكن تثبيت إسرائيل بوصفها الجهة الخارجية الداعمة لهذا التشكيل.
القوة الضاربة لمكافحة الإرهاب، التي يقودها حسام الأستل، ظهرت خلال عام 2025 واتخذت من منطقة قيزان النجار في جنوب شرقي خان يونس قاعدة رئيسية لها. الأستل، وهو صاحب خلفية سابقة في الأجهزة الأمنية الفلسطينية، يقود قوة أعلنت معارضتها لحماس وظهرت في مواجهات مباشرة مع عناصرها. وتوجد معطيات منشورة حديثة تؤكد استمرار نشاط هذه المجموعة حتى أغسطس/آب 2026، كما تصف مصادر إسرائيلية وصحافية نشاطها بأنه يجري بدعم لوجستي وعسكري إسرائيلي. لذلك يمكن تثبيت إسرائيل بوصفها الجهة الخارجية الداعمة للمجموعة، مع تجنب توسيع هذا التوصيف إلى تفاصيل استخباراتية لا توجد لها وثائق علنية مستقلة.
الجيش الشعبي – القوات الشمالية، ويقوده أشرف المنسي، يمثل إحدى المجموعات المحلية المسلحة التي ظهرت في شمال القطاع خلال الحرب. وتبرز أهميته لأن ظاهرة القوى المناوئة لحماس لم تعد مقتصرة على رفح وخان يونس، بل امتدت إلى شمال غزة أيضًا. وتضعه تقارير وتحقيقات منشورة ضمن شبكة المجموعات المحلية التي تعمل في مناطق متصلة بالوجود العسكري الإسرائيلي، وتربطه بالمعسكر المناوئ لحماس. كما ورد اسمه في بيانات وتقارير عن تنسيق بين عدة مجموعات محلية. لذلك يمكن وضع إسرائيل في خانة الجهة الداعمة لهذه البيئة المسلحة وفق المعطيات المنشورة، مع عدم المبالغة في تصوير هذه القوة على أنها تعادل الفصائل الفلسطينية التقليدية من حيث الحجم أو الانتشار.
مجموعة رامي حلس، التي ارتبطت بتشكيل محلي يعرف بقوات الدفاع الشعبي في الشجاعية وشرق مدينة غزة، تمثل حالة خاصة بسبب صلات بيئة عائلة حلس التاريخية بحركة فتح. ويجب هنا الفصل بين فتح الرسمية وبين هذه المجموعة؛ فكون قائد المجموعة أو بيئتها الاجتماعية مرتبطة تاريخيًا بفتح لا يجعلها قوة رسمية تابعة للقيادة المركزية للحركة. وقد أدرجت تقارير حديثة رامي حلس ضمن شبكة القوى المحلية المسلحة التي تعارض حماس وتعمل في المناطق القريبة من خطوط السيطرة الإسرائيلية. لذلك يبقى توصيفها الصحيح: مجموعة محلية منفصلة عن القيادة الرسمية لفتح، لها خصومة مع حماس، وتندرج ضمن البيئة التي حصلت فيها مجموعات مشابهة على حماية أو تعاون إسرائيلي.
شوقي أبو نصيرة يقود مجموعة محلية تعرف باسم قوات الوطن الحر، ظهرت في مناطق من القطاع خلال أواخر عام 2025. وتضعها تقارير متخصصة ضمن المجموعات المحلية الجديدة المناوئة لحماس، إلى جانب قوات الشعب وقوة حسام الأستل وتشكيلات أخرى. ولا أضع سنة تأسيس دقيقة في متن التقرير إلا بصيغة ظهورها العلني في أواخر 2025، لأن تفاصيل نشأتها التنظيمية ما زالت أقل وضوحًا من الفصائل التقليدية. أما موقعها السياسي والعسكري فهو واضح نسبيًا: قوة محلية مناهضة لحماس تعمل ضمن البيئة الجغرافية للمناطق التي تسيطر عليها إسرائيل عسكريًا أو تؤثر فيها أمنيًا.
وتبقى عشائر وعائلات غزة عاملًا مختلفًا عن الفصائل. عائلات مثل دغموش والمجايدة وغيرها تمتلك نفوذًا اجتماعيًا ومحليًا، وقد يرتبط بعض أفرادها أو مجموعاتها بالسلاح أو بالأجهزة الأمنية أو بالفصائل، لكن تحويل العشيرة كاملة إلى «فصيل» مسلح سيكون خطأً تحليليًا. لذلك فإن قوة العشائر يجب فهمها بوصفها قدرة على التأثير الاجتماعي والمحلي وحماية مناطق النفوذ أو الدخول في تحالفات مؤقتة، وليس بوصفها تنظيمات عسكرية موحدة تحت قيادة واحدة. وفي أي صدام داخلي محتمل ستكون العشائر عنصرًا مؤثرًا، لكنها ليست بالضرورة طرفًا موحدًا في أي محور.
أما الواقع الإنساني والصحي، فهو يجعل احتمال الانفجار الداخلي أكثر خطورة. أحدث البيانات الأممية تشير إلى أن النظام الصحي لم يعد يمتلك هامشًا حقيقيًا لاستيعاب حرب إضافية؛ ففي يوليو/تموز 2026 كانت 44% فقط من نقاط تقديم الخدمات الصحية التي كانت موجودة قبل أكتوبر/تشرين الأول 2023 تعمل، بينما أكد تقرير أممي في أغسطس/آب 2026 أن أي منشأة صحية في القطاع لم تستعد حتى الآن قدرتها الكاملة. وتشير أحدث بيانات الرصد الصحي إلى أن غالبية المستشفيات تعرضت للتدمير أو الأضرار، وأن الخدمة الطبية تعمل في معظم المواقع بصورة جزئية أو طارئة.
المؤسسات الصحية والإنسانية ما زالت موجودة وتعمل، ولكن ضمن قدرة محدودة وتحت ضغط متواصل. وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين – الأونروا كانت تدير في منتصف أغسطس/آب 2026 أحد عشر مركزًا صحيًا وأربعًا وعشرين نقطة طبية في غزة، وقدمت عشرات آلاف الاستشارات الطبية خلال أسبوع واحد. كما واصلت منظمة الصحة العالمية دعم الخدمات الطبية والمرافق المتضررة، ووسعت منظمات مثل الهيئة الطبية الدولية خدماتها الميدانية، فيما افتتح الهلال الأحمر الفلسطيني مستشفى الشمال الميداني في غزة خلال أغسطس/آب 2026. كما يستمر عمل اللجنة الدولية للصليب الأحمر، إلى جانب عشرات الشركاء المحليين والدوليين العاملين في الغذاء والصحة والإيواء والمياه. ومع ذلك، فإن استمرار القصف والقيود على الحركة وتضرر المستودعات والمرافق الإنسانية يجعل قدرة هذه المؤسسات مرتبطة يومًا بيوم بالوصول والأمن والوقود والإمدادات.
وعند قراءة خريطة القوى مجتمعة، تظهر ثلاثة مستويات مختلفة داخل غزة. المستوى الأول هو الفصائل المسلحة المنظمة: حماس والجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية والجبهة الديمقراطية ولجان المقاومة الشعبية وحركة المجاهدين وحركة الأحرار وغيرها من القوى التي ارتبطت تاريخيًا بغرفة العمليات المشتركة أو بالبيئة الفصائلية المقاومة. المستوى الثاني هو الفصائل السياسية والتنظيمية التابعة لمنظمة التحرير، وعلى رأسها فتح وحزب الشعب وجبهة النضال الشعبي وقوى أخرى، وهي مؤثرة في أي صيغة سياسية مستقبلية لكنها لا تمتلك بالضرورة كتلة عسكرية موحدة بحجم حماس والجهاد. أما المستوى الثالث فهو المجموعات المحلية المسلحة الجديدة التي ظهرت خلال الحرب، وفي مقدمتها قوات الشعب بقيادة غسان الدهيني، وقوة حسام الأستل، والقوات المرتبطة بأشرف المنسي ورامي حلس وشوقي أبو نصيرة.
أما خريطة الدعم الخارجي المثبتة في هذا التقدير فتظهر بوضوح أكبر عند حماس والجهاد من جهة، وبعض المجموعات المحلية الجديدة من جهة أخرى. إيران هي الداعم الخارجي الحكومي الأبرز لحماس والجهاد الإسلامي وفق وثائق مالية وعقوبات رسمية منشورة، فيما تشير تحقيقات وتقارير متعددة إلى الدعم والحماية والتعاون الإسرائيلي مع عدد من المجموعات المحلية المناوئة لحماس، خصوصًا قوات الشعب وقوة حسام الأستل ومجموعات أخرى ظهرت داخل المناطق الواقعة تحت السيطرة العسكرية الإسرائيلية. ولا ينبغي تعميم التمويل الإيراني أو الإسرائيلي على كل الفصائل الفلسطينية، لأن ذلك سيؤدي إلى خلط بين الدعم السياسي والتاريخي، وبين التمويل العسكري الحالي، وبين مجرد التنسيق الميداني.
المسألة الأخطر ليست وجود خلاف سياسي بين هذه القوى، بل وجود أكثر من مركز للسلاح والقرار داخل قطاع مدمر ومجزأ جغرافيًا. الفصائل التقليدية تمتلك تاريخًا طويلًا من التنسيق والاختلاف في الوقت نفسه، بينما المجموعات الجديدة ظهرت أصلًا في بيئة انهيار أمني وحرب وتدخل خارجي مباشر. لذلك فإن انتقال التوتر من مستوى الملاحقات والاشتباكات المحدودة إلى مستوى الصدام الفلسطيني الداخلي الواسع سيعني دخول غزة في مرحلة مختلفة تمامًا عن الحرب مع إسرائيل: مرحلة صراع على من يملك الأمن، ومن يسيطر على الطرق والمناطق، ومن يمثل السكان، ومن يستطيع فرض سلطة مستقبلية على الأرض.
ولهذا فإن السؤال: هل تدخل غزة مرحلة الانفجار الداخلي؟ ليس سؤالًا افتراضيًا بالكامل. عناصر التوتر موجودة بالفعل: حماس والجهاد لا تزالان قوتين مسلحتين منظمتين؛ الفصائل الأخرى ما زالت حاضرة؛ فتح تمتلك بنية تنظيمية مستقلة؛ والعشائر والمجموعات المحلية الجديدة تشكل مراكز نفوذ متفرقة. لكن في المقابل، لا توجد حتى الآن معطيات تثبت أن جميع الفصائل التقليدية ستنقسم تلقائيًا إلى معسكر «مع حماس» ومعسكر «ضد حماس». بل إن كثيرًا منها يحتفظ باستقلاله السياسي والتنظيمي، وقد يسعى في أي أزمة إلى الوساطة أو الحياد أو منع الاقتتال. ولذلك فإن السيناريو الأكثر واقعية ليس بالضرورة حربًا فلسطينية شاملة بين كتلتين واضحتين، بل احتمال سلسلة من الاشتباكات المحلية والتحالفات المتغيرة، يمكن أن تتسع إذا فقدت القوى الكبرى القدرة على ضبطها.
ويبقى السؤال الاستراتيجي الأخير: هل نحن أمام مشهد فلسطيني دموي سيمتد إلى الضفة الغربية؟ الجواب لا يمكن حسمه الآن، لكن خطر انتقال التأثير السياسي والتنظيمي قائم. فإذا تحول الصراع في غزة إلى مواجهة مفتوحة على السلاح والسلطة والتمثيل، فإن ارتداداته لن تبقى محصورة في القطاع. غير أن الضفة الغربية تمتلك واقعًا مختلفًا من حيث الجغرافيا، والوجود الأمني الإسرائيلي، وبنية السلطة الفلسطينية، وتوزع القوى المسلحة. ولذلك فإن الأرجح في المرحلة الأولى هو انتقال التأثير السياسي والانقسام التنظيمي أكثر من انتقال نموذج الحرب الداخلية نفسه بصورة مطابقة.
غزة اليوم تقف أمام أخطر سؤال داخلي منذ سنوات: ليس فقط من سينتصر في مواجهة إسرائيل، بل من سيبقى قادرًا على إدارة غزة إذا انتهت مرحلة الحرب الكبرى، ومن سيملك السلاح والقرار والشرعية أمام مجتمع فلسطيني منهك، ومؤسسات مدمرة، وفصائل متعددة، ومجموعات جديدة دخلت على خط الصراع. هنا بالضبط تكمن إمكانية الانفجار الداخلي: ليس لأن الاقتتال أصبح أمرًا حتميًا، بل لأن شروطه الأمنية والسياسية والاجتماعية أصبحت موجودة أكثر من أي مرحلة سابقة، فيما لا تزال آلية فلسطينية موحدة وقادرة على ضبط جميع مراكز القوة غائبة عن المشهد.
د.جمال خليفة
