GeneralTOP STORIESWordPress

الضفة الغربية تحت المجهر.. الفصائل والمخيمات وغرف التنسيق في خريطة المقاومة الفلسطينية

6 أيلول/سبتمبر 2026

تمثل الضفة الغربية اليوم ساحة فلسطينية تختلف في بنيتها السياسية والتنظيمية والميدانية عن قطاع غزة. فالمشهد فيها لا يقوم على سلطة عسكرية موحدة أو غرفة عمليات مركزية معلنة تدير جميع الفصائل، بل على شبكة واسعة من التنظيمات الفلسطينية التقليدية، والمجموعات المسلحة المحلية، والتشكيلات التي نشأت داخل المخيمات والمدن، إضافة إلى أشكال مختلفة من التنسيق والتداخل بين عناصر تنتمي إلى أكثر من فصيل.

وتشير خريطة الضفة إلى أن مركز الثقل الميداني خلال السنوات الأخيرة انتقل بصورة واضحة نحو شمال الضفة، ولا سيما جنين وطولكرم ونابلس وطوباس، حيث برزت مجموعات محلية استقطبت عناصر من خلفيات تنظيمية متعددة. وقد وصفت دراسات حديثة هذه الظاهرة بأنها نتاج تداخل بين شباب من فصائل فلسطينية مختلفة، من بينها فتح وحماس والجهاد الإسلامي، في مجموعات محلية لا تتطابق بالضرورة مع الهياكل التنظيمية التقليدية للفصائل.

وعلى مستوى القيادة السياسية والتنظيمية العامة، تبقى حركة فتح القوة الأساسية داخل مؤسسات السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير، كما أنها تمتلك بنية تنظيمية منتشرة في مختلف محافظات الضفة ومخيماتها. ويظل حضورها في رام الله والبيرة أكثر ارتباطاً بالمؤسسات السياسية والإدارية، بينما يختلف شكل حضورها في شمال الضفة، حيث انخرط أفراد وكوادر من خلفيات فتحاوية في بعض التشكيلات المحلية المسلحة خلال السنوات الماضية.

محمود عباس — حركة فتح

حسين الشيخ — حركة فتح

وتؤكد بيانات حركة فتح الصادرة في عام 2026 استمرار اهتمام الحركة بالضفة الغربية، بما في ذلك مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس، التي تعرضت لعمليات إسرائيلية واسعة وتهجير سكانها في مراحل مختلفة من التصعيد.

أما حركة حماس، فتمثل إحدى القوى الفلسطينية الرئيسية ذات الحضور التنظيمي في الضفة الغربية، إلا أن بنيتها الداخلية في المحافظات لا تُعلن بصورة كاملة، كما أن العديد من الأسماء الميدانية تستخدم كنيات أو أسماء حركية. ولذلك فإن الفصل بين القيادة السياسية العلنية والبنية التنظيمية والمجموعات الميدانية يبقى ضرورياً عند قراءة حضور الحركة في الضفة.

زاهر جبارين — حركة حماس — مسؤول ملف الضفة الغربية ضمن قيادة الحركة

وفي شمال الضفة، ظهرت أسماء مرتبطة بحماس في سياق المجموعات والنشاط الميداني، ومن بينها قيس بيطاوي الذي أكدت حماس انتماءه إليها عقب مقتله في غارة إسرائيلية في منطقة جنين في 28 آب/أغسطس 2026، فيما أعلنت حركة الجهاد الإسلامي أيضاً ارتباطه بها، وهو مثال يعكس طبيعة التداخل الميداني بين الانتماءات والتنظيمات في بعض مناطق شمال الضفة.

قيس بيطاوي — حركة حماس — منطقة جنين

وتحتفظ حركة الجهاد الإسلامي بحضور سياسي وتنظيمي وميداني مهم في الضفة الغربية، وبرز حضورها بصورة خاصة في مناطق شمال الضفة من خلال سرايا القدس وعناصر ومجموعات شاركت في تشكيلات محلية متعددة.

زياد النخالة — حركة الجهاد الإسلامي — الأمين العام

ويبرز حضور عناصر مرتبطة بالجهاد الإسلامي بصورة خاصة في جنين وطولكرم ونابلس وطوباس، حيث أصبحت المجموعات المحلية في بعض الأحيان إطاراً جامعاً لعناصر لا يعملون بالضرورة تحت اسم فصيل واحد.

أما الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، فتبقى أحد الفصائل الفلسطينية الرئيسية الموجودة تنظيمياً وسياسياً في الضفة الغربية، مع حضور متفاوت بين المحافظات والمخيمات، فيما لا يمكن قياس حضورها الميداني الحالي بالضرورة وفق حجم حضورها التاريخي.

أحمد سعدات — الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين — الأمين العام

وتشكل محافظة جنين ومخيم جنين إحدى أهم نقاط الارتكاز في خريطة المقاومة الفلسطينية داخل الضفة. وقد برزت كتيبة جنين منذ عام 2021 بوصفها أحد أبرز النماذج للمجموعات المحلية التي ضمت عناصر من خلفيات تنظيمية متعددة، ولم تكن مجرد امتداد تنظيمي تقليدي لفصيل فلسطيني واحد.

جميل العموري — كتيبة جنين — من الأسماء المرتبطة بتأسيس التشكيل في مرحلته الأولى

داود الزبيدي — لواء الشهداء/خلفية فتحاوية — من الأسماء التي ارتبطت بالمجموعات المسلحة في جنين

فتحي خازم «أبو رعد» — شخصية فتحاوية/رمز ميداني واجتماعي في مخيم جنين

قيس بيطاوي — حماس — منطقة جنين

وتكتسب شخصية فتحي خازم أهمية خاصة عند دراسة البيئة السياسية والميدانية لمخيم جنين، نظراً لخلفيته السابقة في قوات الأمن الوطني الفلسطيني وتحوله لاحقاً إلى شخصية ذات رمزية واسعة في البيئة المقاومة في المخيم وشمال الضفة.

وفي طولكرم، تتشكل خريطة المقاومة حول المدينة ومخيم طولكرم ومخيم نور شمس. وقد برزت كتيبة طولكرم بوصفها أحد أهم التشكيلات المحلية في شمال الضفة، وارتبطت بها أسماء من خلفيات مختلفة، الأمر الذي جعلها نموذجاً آخر للتشكيلات الميدانية التي تجاوزت في بعض مراحلها الحدود التنظيمية التقليدية.

محمد جابر «أبو شجاع» — كتيبة طولكرم — من أبرز الوجوه الميدانية التي ارتبط اسمها بالتشكيل

أمير أبو خديجة — كتيبة طولكرم — أحد الأسماء القيادية التي برزت في مراحل سابقة

جهاد شحادة — كتيبة طولكرم — من الأسماء الميدانية البارزة

وتبقى المخيمات الثلاثة، مخيم جنين ومخيم طولكرم ومخيم نور شمس، محورية في فهم التحولات الميدانية في شمال الضفة، إلا أن العمليات العسكرية الإسرائيلية والتهجير الواسع للسكان أحدثت تغيرات كبيرة في البيئة التي كانت تعمل فيها هذه المجموعات، ولذلك يجب التعامل مع أي توصيف للحضور الحالي وفق تاريخ زمني محدد، وعدم افتراض استمرار البنية الميدانية كما كانت في السنوات السابقة.

وفي نابلس، يختلف المشهد بعض الشيء. فالمدينة تضم عدداً من المخيمات المهمة، أبرزها مخيم بلاطة ومخيم عسكر ومخيم عين بيت الماء، كما شهدت ظهور تشكيلات محلية كان أبرزها «عرين الأسود». وقد عكست تجربة نابلس بصورة واضحة ظاهرة انتقال بعض الشباب من الانتماء التنظيمي التقليدي إلى تشكيلات محلية تتشارك في العمل الميداني رغم اختلاف الخلفيات السياسية والتنظيمية.

وفي طوباس ومحيطها، بما في ذلك مخيم الفارعة، يظهر موقع المنطقة الجغرافي مهماً في الربط بين جنين ونابلس والأغوار الشمالية. وتستدعي هذه المنطقة دراسة مستقلة للحضور التنظيمي لحركة الجهاد الإسلامي وحماس وفتح، إضافة إلى المجموعات المحلية التي ظهرت في فترات مختلفة.

أما وسط الضفة، فتتمتع رام الله والبيرة بخصوصية مختلفة بسبب وجود مؤسسات السلطة الفلسطينية ومركز القيادة السياسية لحركة فتح. وتضم المنطقة مخيمات رئيسية مثل الأمعري والجلزون ودير عمار، وهي مخيمات ذات تاريخ سياسي وتنظيمي طويل، إلا أن طبيعة المشهد فيها تختلف عن نموذج جنين وطولكرم.

وفي القدس ومحيطها، يمثل مخيما شعفاط وقلنديا نقطتين مهمتين ضمن البيئة الفلسطينية، لكن خصوصية الوضع السياسي والأمني للقدس الشرقية تجعل قراءة التنظيمات والمجموعات فيها مختلفة عن باقي محافظات الضفة.

أما جنوب الضفة، فتبرز بيت لحم بمخيمات الدهيشة وعايدة والعزة، بينما تضم محافظة الخليل مخيمي العروب والفوار، إلى جانب المدن والبلدات ذات البنية الاجتماعية والعشائرية المختلفة عن شمال الضفة. وتبقى حماس وفتح والجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية من القوى التي يجب دراسة حضورها هناك بصورة منفصلة، لأن انتقال نموذج شمال الضفة إلى الجنوب لم يكن متطابقاً من حيث الشكل أو مستوى التشكيلات المحلية.

إن الخلاصة الأساسية لخريطة الضفة الغربية هي أن المقاومة الفلسطينية فيها لا يمكن اختزالها في تنظيم واحد أو قيادة ميدانية مركزية واحدة. فهناك، أولاً، الفصائل التقليدية ذات الهياكل السياسية والتنظيمية؛ وثانياً، الأذرع العسكرية المرتبطة بها؛ وثالثاً، مجموعات محلية ظهرت في جنين وطولكرم ونابلس وغيرها، واستقطبت عناصر من أكثر من خلفية تنظيمية.

وبالتالي، فإن الحديث عن «غرفة عمليات مشتركة» على مستوى الضفة الغربية كلها يحتاج إلى حذر وتوثيق مستقل، إذ إن الصورة المتاحة تشير بدرجة أكبر إلى وجود تنسيق وتداخل وتحالفات ميدانية محلية ومتغيرة، وليس إلى غرفة قيادة موحدة ومعلنة تدير جميع الفصائل في جميع محافظات الضفة.

وتبقى جنين ومخيمها، وطولكرم ومخيماها، ونابلس ومخيماتها، وطوباس ومخيم الفارعة، أبرز نقاط الانطلاق لفهم خريطة المجموعات الميدانية في شمال الضفة، فيما تتطلب رام الله والقدس وبيت لحم والخليل قراءة مختلفة تركز بصورة أكبر على البنى التنظيمية والسياسية للفصائل وعلى خصوصية كل منطقة.

د.جمال خليفة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *