GeneralTOP STORIESمقالات

إسرائيل أمام اختبار الاستمرارية: حين تتحول القوة إلى استنزاف

13 أيلول 2026

لم تبدأ إسرائيل كدولة في الرابع عشر من أيار عام 1948 فقط، وإنما سبقتها عقود من العمل السياسي والتنظيمي والاستيطاني والعسكري، بدأت تتبلور بصورة أكثر وضوحاً مع وعد بلفور عام 1917، ثم خلال مرحلة الانتداب البريطاني على فلسطين، حيث تشكلت مؤسسات الحركة الصهيونية وتوسعت الهجرة والاستيطان وبُنيت إلى جانبها بنية سياسية واقتصادية وعسكرية ستتحول لاحقاً إلى مؤسسات الدولة. ومن هنا فإن إسرائيل التي ظهرت عام 1948 لم تكن دولة ولدت من فراغ، بل كانت نتيجة تراكم طويل لمشروع سياسي وتنظيمي مدعوم دولياً في مراحل مختلفة، ومسنود بشبكة من المؤسسات التي كانت جاهزة لتتحول إلى مؤسسات دولة عند إعلان قيامها.

وفي هذه المرحلة ظهرت التنظيمات العسكرية الصهيونية التي أصبحت لاحقاً جزءاً أساسياً من قصة الدولة الأمنية الإسرائيلية. الهاجاناه ارتبطت بقيادات مثل إلياهو غولومب وإسحاق سده ويسرائيل غليلي، فيما ارتبطت الإرغون بزئيف جابوتنسكي ودافيد رازיאל ثم مناحيم بيغن، بينما خرجت ليحي، المعروفة باسم عصابة شتيرن في الأدبيات البريطانية، من قيادة أبراهام شتيرن ثم إسحاق شامير. وكانت هذه التنظيمات مختلفة في اتجاهاتها وأساليبها، لكنها شكلت معاً جزءاً من البيئة العسكرية التي سبقت قيام إسرائيل، قبل أن يجري دمج القسم الأكبر من عناصرها في الجيش الإسرائيلي بعد قيام الدولة.

وهنا تبدأ خصوصية التجربة الإسرائيلية؛ فبعض الرجال الذين بدأوا حياتهم السياسية في التنظيمات السرية والمسلحة انتقلوا لاحقاً إلى رأس الدولة. دافيد بن غوريون أصبح أول رئيس حكومة ووزير دفاع، ومناحيم بيغن انتقل من قيادة الإرغون إلى رئاسة الحكومة، وإسحاق شامير انتقل من قيادة ليحي إلى رئاسة الحكومة. وبذلك لم تنقطع الصلة بين مرحلة التنظيمات المسلحة ومرحلة الدولة، وإنما انتقلت أجزاء من ثقافتها الأمنية والسياسية إلى مؤسسات الدولة الجديدة.

ومنذ عام 1948 دخلت إسرائيل في سلسلة طويلة من الحروب والصراعات العسكرية، وأصبحت الحرب جزءاً من تكوين الدولة وليس حدثاً استثنائياً. خاضت حرب 1948 مع جيوش عربية شملت مصر وسوريا وشرق الأردن ولبنان والعراق، ثم دخلت حرب السويس عام 1956، قبل أن تخوض حرب حزيران عام 1967 ضد مصر والأردن وسوريا، ثم حرب الاستنزاف مع مصر، وبعدها حرب تشرين عام 1973 التي شنّت خلالها مصر وسوريا هجوماً متزامناً على الجبهتين المصرية والسورية.

وفي حرب 1956 كان بن غوريون في رئاسة الحكومة وموشيه دايان رئيساً للأركان، بينما في حرب 1967 كان ليفي إشكول رئيساً للحكومة وموشيه دايان وزيراً للدفاع وإسحاق رابين رئيساً للأركان. وقد شكلت حرب 1967 نقطة تحول تاريخية، إذ انتقلت إسرائيل من دولة تبحث عن تثبيت حدودها إلى دولة تسيطر على مساحات واسعة من الأراضي العربية، بما فيها سيناء وقطاع غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية والجولان السوري.

أما حرب تشرين عام 1973 فقد شكلت اختباراً مختلفاً. فمصر وسوريا تمكنتا في بدايتها من مفاجأة المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، وتعرض الجيش الإسرائيلي لخسائر كبيرة قبل أن يستعيد المبادرة خلال الحرب. وكانت غولدا مائير رئيسة للحكومة وموشيه دايان وزيراً للدفاع، وانتهت الحرب إلى أزمة سياسية وأمنية عميقة داخل إسرائيل ساهمت في نهاية عهد غولدا مائير.

بعد ذلك لم يعد الصراع الإسرائيلي محصوراً في الجبهات المصرية والسورية، بل انتقل بقوة إلى لبنان. دخل الجيش الإسرائيلي جنوب لبنان عام 1978، ثم جاء الاجتياح الكبير عام 1982 في عهد مناحيم بيغن وأرييل شارون وزيراً للدفاع، ووصلت القوات الإسرائيلية إلى بيروت، قبل أن يتحول الوجود الإسرائيلي في لبنان إلى احتلال طويل في الجنوب انتهى بالانسحاب عام 2000.

وفي المقابل، تطورت داخل إسرائيل مؤسسة أمنية أصبحت أكثر تعقيداً من الجيش نفسه. فالموساد والشاباك والاستخبارات العسكرية تحولت إلى أدوات أساسية في صناعة الأمن الإسرائيلي، وبرز رؤساء استخبارات مثل إيسر هاريل ومئير عميت وداني ياتوم ومئير داغان وتمير باردو ويوسي كوهين ودافيد برنياع، إلى جانب أجيال متعاقبة من رؤساء الأركان وقادة الوحدات الخاصة. وبمرور الوقت لم تعد إسرائيل تنتظر الخطر داخل حدودها، بل بنت عقيدتها على الوصول إلى الخصم في الخارج، من خلال التجنيد والاختراق وجمع المعلومات والعمليات السرية والاستهداف والاغتيال.

وهكذا أصبحت الدولة الإسرائيلية دولة أمنية بامتياز، لا بمعنى أن الأمن فيها يمثل مؤسسة واحدة، بل بمعنى أن الجيش والاستخبارات والأمن الداخلي والسياسة الخارجية والقرار السياسي أصبحت جميعها مترابطة بصورة وثيقة. وفي هذه المنظومة ظهر انتقال مستمر بين المؤسسة العسكرية والسياسة؛ فموشيه دايان وإسحاق رابين وأرييل شارون وإيهود باراك وبنيامين غانتس وغيرهم انتقلوا من الجيش إلى أعلى مواقع القرار السياسي، بينما تولى رؤساء حكومات ووزراء دفاع إدارة الحروب اعتماداً على خبرة عسكرية وأمنية مباشرة.

ومع مرور العقود تحولت إسرائيل إلى قوة إقليمية قادرة على تنفيذ عمليات بعيدة عن حدودها، إلا أن هذا التحول حمل معه كلفة سياسية وأمنية واقتصادية متزايدة. فالدولة التي أرادت أن تفرض تفوقها على محيطها وجدت نفسها تدخل بصورة متكررة في حروب جديدة، من لبنان إلى غزة، ومن الأراضي الفلسطينية إلى سوريا، وصولاً إلى المواجهة مع إيران، بينما أصبح المجتمع الإسرائيلي نفسه يعيش تحت ضغط أمني متواصل.

وفي الداخل، لا تظهر إسرائيل ككتلة سياسية واحدة. فقد شهدت الدولة انقسامات حادة بين اليمين واليسار والتيارات الدينية والعلمانية، وبين المؤسسة العسكرية والسياسية، وبين مؤيدي الحرب ومعارضيها، وبرزت قضايا الخدمة العسكرية والحريديم ومستقبل النظام السياسي والاحتجاجات ضد الحكومات المتعاقبة. ومع وصول بنيامين نتنياهو إلى فترات طويلة من الحكم، أصبح الصراع الداخلي أكثر حدة، خصوصاً مع اتساع نفوذ اليمين وتشدد مكونات سياسية داخل الحكومة.

وفي الوقت نفسه ظهر وجه آخر للدولة لا يرتبط مباشرة بالحرب الخارجية، وهو الجريمة المنظمة والمافيات وشبكات المال غير المشروع. وجود هذه الشبكات داخل إسرائيل، وظهور صراعات واغتيالات بين مجموعات إجرامية، يكشف أن الدولة التي تقدم نفسها باعتبارها دولة أمن واستخبارات وجيش متطور تواجه أيضاً تحديات أمن داخلي لا يمكن اختزالها في الصراع مع الخارج. ومقتل شخصيات مرتبطة بشبكات الجريمة المنظمة، ومنها قيادات في شبكات ذات امتدادات قوقازية، أصبح جزءاً من صورة الداخل الإسرائيلي التي يجب ألا تُهمل عند دراسة الدولة من الداخل.

وفي الجانب الاقتصادي، بقيت إسرائيل دولة ذات قدرات تكنولوجية ومالية متقدمة، لكنها دخلت في السنوات الأخيرة مرحلة ارتفاع كبير في كلفة الأمن والحرب. فالاعتماد على الولايات المتحدة بقي أحد أعمدة القوة الإسرائيلية، خصوصاً في المجال العسكري والدفاع الصاروخي والتكنولوجيا، وهو ما يكشف مفارقة أساسية في المشروع الإسرائيلي: إسرائيل تريد أن تكون قوة مستقلة في القرار، لكنها لا تزال مرتبطة بصورة عميقة بالمظلة الأميركية.

وهنا يظهر التحول في العلاقة مع الغرب. فإسرائيل التي قامت في بيئة سياسية غربية ساعدت في توفير الظروف الدولية لقيامها، أصبحت اليوم تتصرف في بعض الملفات باعتبار أن مصالحها الأمنية المباشرة تتقدم على اعتراضات بعض الدول الغربية. إلا أن هذا الاستقلال ليس كاملاً، لأن إسرائيل لا تستطيع حتى الآن فصل أمنها العسكري والاقتصادي والتكنولوجي عن الولايات المتحدة.

وبعد السابع من تشرين الأول عام 2023 دخلت إسرائيل مرحلة مختلفة تماماً. فقد تحولت غزة إلى حرب طويلة، وامتدت المواجهة إلى لبنان، وتوسعت العمليات الإسرائيلية في المنطقة، ثم أصبح الملف الإيراني في قلب المعادلة الأمنية. وفي الوقت نفسه تعرضت القيادة السياسية والأمنية الإسرائيلية لهزة كبيرة بسبب إخفاقات السابع من تشرين الأول، وأصبح السؤال داخل إسرائيل لا يتعلق فقط بكيفية الانتصار في الحرب، بل بمن يتحمل مسؤولية الإخفاق وكيف يمكن إعادة بناء الثقة بالمؤسسة الأمنية والسياسية.

وفي هذه المرحلة تغيرت أيضاً الوجوه داخل القيادة. كان يوآف غالانت وزيراً للدفاع خلال جزء أساسي من حرب غزة، قبل أن يخرج من الحكومة، ثم تولى إسرائيل كاتس وزارة الدفاع. وهذه التغييرات لا تعني وحدها انهيار المؤسسة، لكنها تكشف حجم الضغط السياسي والعسكري الذي أصبحت تعمل تحته الحكومة الإسرائيلية، خصوصاً مع اتساع الجبهات وتداخل الملفات العسكرية مع الانتخابات والصراع الداخلي.

أما أخطر تطور في صورة القيادة الإسرائيلية، فهو انتقال جزء من هذا الصراع إلى المجال القضائي الدولي. ففي تشرين الثاني 2024 أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرتي توقيف بحق بنيامين نتنياهو ويوآف غالانت، على خلفية اتهامات بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية مرتبطة بالحرب في غزة. وهذه المذكرات ليست أحكام إدانة نهائية، لكنها تمثل تحولاً تاريخياً في التعامل الدولي مع مسؤولين إسرائيليين بهذا المستوى، إذ أصبحت قرارات القيادة السياسية والعسكرية الإسرائيلية موضوعاً لإجراء جنائي أمام محكمة دولية. كما صدرت في القضية نفسها مذكرة بحق محمد الضيف قبل أن تُغلق الإجراءات بحقه بعد إبلاغ المحكمة بوفاته.

وهنا تبرز المفارقة الكبرى في مسار الدولة الإسرائيلية: الدولة التي بنت جزءاً أساسياً من قوتها على الجيش والاستخبارات والعمل السري والقدرة على الوصول إلى خصومها، وجدت أن بعض أعلى قياداتها السياسية أصبحوا هم أنفسهم موضوع ملاحقة قضائية دولية. وهذا لا يعني أن المحكمة أصدرت حكماً نهائياً عليهم، لكنه يعني أن إسرائيل دخلت مرحلة لم تعد فيها القوة العسكرية وحدها كافية لمنع انتقال الصراع إلى ساحات قانونية ودبلوماسية دولية.

وفي الوقت نفسه، لم تعد إسرائيل تواجه جبهة واحدة. فهي أمام غزة، ولبنان، وسوريا، والملف الإيراني، إلى جانب الضفة الغربية والحدود والمجال الإقليمي الأوسع. وفي الجنوب اللبناني تستمر إسرائيل في الحفاظ على وجود عسكري ومناطق أمنية، بينما توسع وجودها العسكري داخل الأراضي السورية، في وقت بقيت إيران تمثل أحد أهم الملفات الاستراتيجية التي تحدد العقيدة الأمنية الإسرائيلية.

وبذلك أصبحت إسرائيل أمام معادلة غير مسبوقة في تاريخها: دولة قوية عسكرياً واستخبارياً، لكنها تخوض صراعات متزامنة، وتتحمل كلفة اقتصادية وأمنية مرتفعة، وتشهد انقساماً سياسياً واجتماعياً متزايداً، وتعتمد على دعم أميركي أساسي، وتواجه في الوقت نفسه ضغوطاً دولية وقضائية لم تكن مألوفة بالنسبة إلى قيادتها السياسية.

إن قراءة إسرائيل من الداخل تقود إلى نتيجة أساسية: هذه الدولة لم تعد مجرد المشروع الذي أُعلن قيامه عام 1948، وإنما أصبحت منظومة مركبة من الجيش والاستخبارات والسياسة والاقتصاد والمجتمع وشبكات النفوذ. وقد نجحت هذه المنظومة طوال عقود في تحويل الحروب إلى وسيلة لتعزيز قدرتها العسكرية، لكنها تواجه اليوم اختباراً مختلفاً؛ فالحروب المتعددة لم تعد مجرد وسيلة لزيادة القوة، وإنما أصبحت تستنزف جزءاً من الموارد والطاقات وتضغط على المجتمع والسياسة والاقتصاد والعلاقات الدولية في وقت واحد.

إسرائيل اليوم ليست دولة على وشك الانهيار، كما أنها ليست دولة مستقرة كما كانت تقدم نفسها في مراحل سابقة. إنها دولة تدخل مرحلة اختبار طويلة، تحاول فيها المحافظة على تفوقها العسكري والأمني، وعلى علاقتها بالولايات المتحدة، وعلى قدرتها الاقتصادية والتكنولوجية، وعلى تماسك مجتمعها، في الوقت الذي تتوسع فيه ساحات المواجهة وتزداد الضغوط الدولية عليها.

ومن هنا فإن السؤال الحقيقي لم يعد: هل تستطيع إسرائيل خوض حرب جديدة؟ فهي أثبتت قدرتها على ذلك. السؤال الحقيقي هو: هل تستطيع إسرائيل الحفاظ على نموذج الدولة الذي بنته طوال العقود الماضية إذا أصبحت الحرب حالة دائمة، والأمن جزءاً من السياسة اليومية، والهجرة المعاكسة ظاهرة متزايدة، والانقسام الداخلي أكثر حدة، والدعم الغربي أقل تلقائية، وبعض قياداتها السياسية موضع ملاحقة قضائية دولية؟

هذه هي إسرائيل التي تقف أمام المنطقة اليوم: دولة ولدت من مشروع سياسي واستيطاني، وبنت قوتها على الجيش والاستخبارات، وخاضت حروباً متتالية مع دول عربية ثم انتقلت إلى حروب وعمليات متعددة الساحات، وأصبحت قوة إقليمية ذات قدرة استثنائية على الضرب خارج حدودها، لكنها تجد نفسها في الوقت ذاته أمام سؤال الاستمرارية. فالقوة التي صنعت إسرائيل الحديثة قد تكون مصدر بقائها، لكنها قد تتحول أيضاً إلى مصدر استنزافها إذا لم تعد الدولة قادرة على ضبط اتساع الصراع وتكاليفه السياسية والاقتصادية والأمنية.

د. جمال خليفة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *