Breaking NewsFEATUREDGeneralNewsTOP STORIESWordPressالشرق الأوسط (Middle East)العالممقالات

الموقع 512.. الوجه الخفي لإسرائيل في صحراء النقب

في قلب صحراء النقب، وعلى جبل هار كيرين، توجد منشأة عسكرية شديدة السرية حملت اسم «الموقع 512»، وتحولت خلال السنوات الماضية إلى واحدة من أكثر النقاط حساسية في المنظومة الأمنية والاستراتيجية الإسرائيلية. وبعيداً عن الصورة التقليدية للقواعد العسكرية، فإن أهمية هذه المنشأة ترتبط أساساً بوجود رادار متطور من طراز AN/TPY-2، مخصص للإنذار المبكر ورصد الصواريخ الباليستية بعيدة المدى، ولا سيما التهديدات القادمة من مسافات استراتيجية.

يقع الموقع في منطقة صحراوية معزولة في جنوب إسرائيل، بالقرب من الحدود المصرية وعلى مسافة تقارب 32 كيلومتراً من قطاع غزة، وهو موقع يمنحه أهمية جغرافية وعسكرية في آن واحد. وقد ساهمت طبيعة المنطقة الصحراوية وبعدها عن المراكز السكانية في الحفاظ على مستوى عالٍ من السرية المحيطة بالمنشأة لسنوات طويلة، حتى أصبحت تُقارن في بعض التقارير بمفهوم «المنطقة 51» الأميركية، ليس من حيث طبيعة المهمة، وإنما من حيث الغموض والتعتيم المحيطين بها.

بدأ إنشاء الموقع في مطلع الألفية الجديدة، خلال إدارة الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش، في إطار التعاون العسكري والاستراتيجي مع إسرائيل. ومع مرور السنوات، تطور الموقع تدريجياً ليصبح جزءاً من شبكة الإنذار والدفاع الصاروخي، وشهدت بنيته التحتية توسعات متتالية، شملت مرافق مخصصة لإقامة ودعم القوات العاملة فيه.

وفي عام 2023، كشفت تفاصيل مشروع توسعة الموقع عن تخصيص نحو 35.8 مليون دولار لتطوير منشآت الدعم والإقامة، بما رفع القدرة الاستيعابية المحتملة للموقع إلى أعداد أكبر بكثير من الطواقم التي كانت تعمل فيه سابقاً، مع تقديرات بإمكان استيعاب ما يصل إلى نحو ألف جندي، من دون أن يعني ذلك وجود هذا العدد بصورة دائمة داخل المنشأة.

ويشكل الرادار AN/TPY-2 قلب المهمة التقنية للموقع. فهذا النظام مصمم لاكتشاف الصواريخ الباليستية وتتبعها من مسافات بعيدة، وتوفير بيانات تساعد على بناء صورة مبكرة عن اتجاه الصاروخ ومساره المحتمل. ولذلك تختلف وظيفته عن الرادارات التي تراقب التهديدات القريبة والمنخفضة الارتفاع.

وقد برز هذا الفرق بصورة خاصة بعد السابع من أكتوبر 2023، إذ إن طبيعة عمل الرادار في الموقع 512 كانت مرتبطة أساساً بالتهديدات الباليستية بعيدة المدى، وليس بمهمة مراقبة وابل الصواريخ القصيرة المدى المنطلقة من قطاع غزة. ومن هنا أصبح الموقع محط اهتمام أكبر، بعدما أعادت الحرب طرح السؤال حول طبيعة المهام التي تؤديها المنشأة وما الذي صممت لرصده تحديداً.

ولا يعمل الموقع بمعزل عن بقية منظومة الدفاع الصاروخي. فالمعلومات التي تجمعها أجهزة الرصد تدخل في إطار شبكة أوسع للتعاون وتبادل المعلومات العسكرية، بما يخدم الإنذار المبكر وتقييم التهديدات الباليستية، بينما تبقى التفاصيل الدقيقة المتعلقة بالبنية الداخلية للاتصالات وآليات حماية البيانات من المعلومات التي لا تكشف بصورة كاملة.

وترتبط هذه البيانات بمنظومة دفاعية أوسع تضم أنظمة إسرائيلية وأميركية للإنذار والاعتراض، وفي مقدمتها منظومة «السهم» المضادة للصواريخ الباليستية، إلى جانب منظومات أميركية يمكن نشرها في المنطقة عند الحاجة. والهدف الأساسي هو منح منظومة القيادة والدفاع وقتاً إضافياً لاكتشاف التهديد وتحديد مساره واتخاذ القرار المناسب بشأنه.

لكن أهمية الموقع لا تتوقف عند التكنولوجيا. فخلف الرادار توجد منظومة بشرية وعسكرية كاملة، تتغير عناصرها وقياداتها وفق نظام تناوب دوري، وتبقى تفاصيل عملها اليومية محكومة بدرجة عالية من السرية.

ومن الجانب الأميركي، ارتبط تشغيل المنظومة بالبطارية 13 للدفاع الصاروخي، التي تناوب على قيادتها عدد من الضباط خلال السنوات الماضية:

لويس نابوليس — Louis Napoles — לואיס נפוליס

إميلي مونك — Emily Monk — אמילי מונק

راشيل سكاليسكي — Rachel Skalisky — רייצ’ל סקאליסקי

بريندن بلانكون — Brenden Plancon — ברנדן פלאנקון

سيزار تيلز — Cesar Telles — סזאר טלס

بريت كونيارز — Brett Koniarz — ברט קוניארץ

دوغلاس براون — Douglas Brown — דאגלס בראון

وعلى مستوى القيادة الأعلى، ظهرت أسماء ارتبطت بالوحدات الأميركية المسؤولة عن الدفاع الجوي والصاروخي والقدرات الفضائية:

مايكل داير — Michael Dyer — מייקל דייר

ديفيد إي. شانك — David E. Shank — דייוויד א. שאנק

لكن الجانب الإسرائيلي يمثل الجزء الأكثر تعقيداً في هذه المنظومة، لأن الموقع يقع على الأراضي الإسرائيلية ويتقاطع مع بنية القيادة والأمن والدفاع في المنطقة الجنوبية. وهنا تبرز ضرورة التمييز بين الأجهزة الإسرائيلية المختلفة، إذ إن تشغيل الموقع والتنسيق العسكري المرتبط به لا يقعان بصورة مباشرة تحت إدارة جهاز الموساد.

فالموساد جهاز معني أساساً بالعمليات الخارجية والاستخبارات البشرية، بينما تقع المهام العسكرية والاستخباراتية المرتبطة بالدفاع والإنذار المبكر ضمن منظومة الجيش الإسرائيلي، وعلى رأسها شعبة الاستخبارات العسكرية «أمان» وقيادة الدفاع الجوي التابعة لسلاح الجو الإسرائيلي، إلى جانب الجهات التابعة لوزارة الدفاع والمسؤولة عن منظومات الدفاع الصاروخي.

وفي قلب هذه المنظومة تظهر «حوما»، وهي البنية الإسرائيلية المرتبطة بتطوير ودمج منظومات الدفاع الصاروخي، والتي ارتبط اسمها تاريخياً بعمليات تطوير منظومة «السهم» والتعاون مع الأنظمة الأميركية.

ومن أبرز الأسماء التي ارتبطت بتاريخ هذه المنظومة:

يائير راماتي — Yair Ramati — יאיר רמתי

وهو من الشخصيات البارزة التي ارتبطت بتطوير منظومة الدفاع الصاروخي الإسرائيلية وبمشاريع التكامل بين الرادارات ومنظومات الاعتراض.

كما برز اسما قياديين سابقين في منظومة الدفاع الجوي الإسرائيلية:

جيل دولوف — Gil Dolov — גיל דולוב

ران كوخاف — Ran Kochav — רן כוכב

أما شعبة الاستخبارات العسكرية «أمان»، فتدخل في المستوى الأوسع من الصورة الاستخباراتية والعسكرية، حيث تتقاطع المعلومات المتعلقة بالتهديدات الصاروخية مع عملية التقييم الاستخباراتي الشاملة. وتبقى أسماء ضباط الارتباط العاملين بصورة مباشرة مع المواقع الحساسة غير متاحة في كثير من الحالات، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بالمسؤولين عن التنسيق العملياتي أو الأمني.

أما الموساد، فلا ينبغي الخلط بين دوره وبين الإدارة اليومية للموقع. فوجوده في الصورة يرتبط بالمستوى الاستراتيجي الأوسع للتعاون الاستخباراتي الإسرائيلي مع الحلفاء، وخصوصاً في الملفات المتعلقة بإيران والتهديدات الاستراتيجية، وليس بتشغيل الرادار أو إدارة المنشأة بصورة يومية.

وعلى المستوى الجغرافي الأوسع، تخضع المنطقة الجنوبية لبنية قيادة عسكرية إسرائيلية مسؤولة عن أمن الحدود والمناطق المحيطة بالمنشآت الاستراتيجية والقواعد العسكرية الموجودة في النقب.

ومن أبرز الأسماء المرتبطة بالقيادة الجنوبية:

يانيڤ عاسور — Yaniv Asor — יניב אסור

كما ظهر اسم نائب قائد المنطقة الجنوبية:

كوبي هيلر — Kobi Heller — קובי הלר

وتتقاطع هذه القيادة مع تشكيلات عسكرية أخرى مسؤولة عن أمن الحدود والمناطق المحيطة بالمنشآت الاستراتيجية.

ومن الأسماء التي ارتبطت بالقيادة الميدانية في المنطقة الجنوبية:

باراك حيرام — Barak Hiram — ברק חירם

كما برز اسم قائد لواء النقب:

عُمري ماشياه — Omri Mashiah — עמרי משיח

وتعمل هذه التشكيلات ضمن منظومة أوسع هدفها حماية العمق الإسرائيلي والمنشآت الاستراتيجية الموجودة في الجنوب، مع بقاء التفاصيل التشغيلية الخاصة بانتشار القوات وإجراءات الحماية ضمن نطاق عسكري محدود.

وفي أعلى الهرم العسكري الإسرائيلي، ترتبط هذه المنظومة بقيادة هيئة الأركان العامة، ومن بين الأسماء التي برزت في هذه المرحلة:

إيال زامير — Eyal Zamir — אייל זמיר

تامير يدعي — Tamir Yadai — תמיר ידעי

وهذه الطبقات المتعددة تكشف أن الموقع 512 لا يمكن النظر إليه باعتباره «قاعدة رادار» منفصلة عن محيطها، بل كجزء من شبكة دفاعية واستخباراتية وعسكرية أكبر، تتداخل فيها القدرات المختلفة، فيما تتولى القيادة الإسرائيلية مسؤولية أمن المنطقة التي توجد فيها المنشأة.

وفي النقب تحديداً، تصبح الصورة أكثر تعقيداً بسبب وجود منشأة استراتيجية أخرى لا تقل حساسية، وهي مركز شيمون بيريز للأبحاث النووية في النقب، المعروف باسم مفاعل ديمونا.

بدأ مشروع ديمونا في أواخر خمسينيات القرن الماضي، في عهد دافيد بن غوريون، وبمساعدة فرنسية سرية لعبت دوراً أساسياً في المرحلة الأولى من المشروع. وكان شمعون بيريز أحد أبرز الشخصيات السياسية التي ارتبطت بالمشروع النووي الإسرائيلي، فيما كان العالم إرنست دافيد بيرغمان من أهم العلماء الذين وضعوا الأسس العلمية للبرنامج النووي الإسرائيلي.

إرنست دافيد بيرغمان — Ernst David Bergmann — ארנסט דוד ברגמן

إسرائيل دوستروفسكي — Israel Dostrovsky — ישראל דוסטרובסקי

ومع مرور السنوات، أصبح ديمونا أحد أكثر المواقع سرية في إسرائيل، في ظل سياسة «الغموض النووي» التي تعتمدها الدولة الإسرائيلية، والتي تقوم على عدم الإعلان رسمياً عن امتلاك أسلحة نووية وعدم نفي ذلك بصورة مباشرة.

أما أكبر اختراق للسرية المحيطة بالمفاعل فارتبط باسم الفني النووي مردخاي فانونو، الذي عمل داخل المنشأة وتمكن عام 1986 من إخراج صور ومعلومات عن أجزاء من الموقع، قبل أن تتحول قضيته إلى واحدة من أشهر قضايا الأسرار النووية في العالم.

مردخاي فانونو — Mordechai Vanunu — מרדכי ואנונו

وبالتوازي مع البرنامج النووي، تطورت في إسرائيل منظومة واسعة من القدرات الاستخباراتية والتكنولوجية، من بينها الوحدة 8200 والوحدة 81، اللتان ارتبطتا بجمع المعلومات والقدرات السيبرانية والتطوير التقني.

ومن الأسماء التي ارتبطت بقيادة الوحدة 8200:

يوسي سارييل — Yossi Sariel — יוסי שריאל

كما برز اسم أحد قادة الوحدة السابقين:

داني هاريش — Danny Harari — דני הררי

وهكذا تتجمع في النقب طبقات متعددة من القوة الاستراتيجية: منشأة رادارية للإنذار المبكر بالصواريخ الباليستية، ومنشأة نووية إسرائيلية شديدة السرية، وقواعد عسكرية، وبنى استخباراتية وتكنولوجية، ومنظومات قيادة ودفاع محصنة.

وإذا كان الموقع 512 يمثل عيناً متقدمة لرصد التهديدات الباليستية بعيدة المدى، فإن ديمونا يمثل أحد أكثر أسرار إسرائيل حساسية، فيما تمثل البنية الاستخباراتية والتكنولوجية المحيطة بهما طبقة أخرى تربط المعلومات بالقرار العسكري والاستراتيجي.

لهذا السبب، فإن الحديث عن «الموقع 512» لا يتعلق برادار واحد فقط، بل يكشف عن منظومة كاملة تمتد من أجهزة الرصد والإنذار المبكر إلى الدفاع الصاروخي، ومن القيادة الجنوبية إلى الاستخبارات العسكرية، وصولاً إلى المنشآت الاستراتيجية في عمق النقب.

ويبقى السؤال الأكبر: لماذا اختير هذا الجزء من صحراء إسرائيل تحديداً ليحتضن هذا التركيز الكبير من المنشآت الحساسة؟

الجواب يرتبط بالجغرافيا والسرية معاً. فالنقب يوفر المساحات الواسعة، وبعداً نسبياً عن الكثافة السكانية، ومجالاً مناسباً للمنشآت العسكرية والاستراتيجية، كما يسمح ببناء بنية تحتية لا تظهر تفاصيلها بسهولة أمام الرأي العام.

وهكذا، خلف الصورة الهادئة للصحراء الجنوبية، توجد واحدة من أكثر البيئات العسكرية والأمنية حساسية في إسرائيل؛ موقع 512، منظومات دفاع صاروخي، قيادة عسكرية جنوبية، أجهزة استخبارات، منشآت تكنولوجية، وفي قلب هذه الشبكة منشأة نووية بقيت لعقود تحت سياسة الغموض.

الموقع 512، في نهاية المطاف، ليس مجرد نقطة على خريطة النقب، بل نافذة صغيرة على منظومة أمنية أكبر بكثير، تتقاطع فيها التكنولوجيا والرصد والاستخبارات والدفاع الاستراتيجي، بينما تبقى أجزاء واسعة من الصورة الحقيقية خلف أبواب لا تزال مغلقة.

د. جمال خليفة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *