General

من هرمز إلى اليورانيوم… الحرب تغيّر وجهها والروس يدخلون من الباب الثقيل…                                 د.جمال خليفة

في الأسابيع الماضية، كان العالم يراقب الخليج بعينٍ على مضيق هرمز، كأن الشرارة الكبرى ستخرج من المياه والنفط والسفن.
لكن فجأة، تغيّر المشهد.
خفّ الحديث عن إغلاق المضيق، وتراجع التهويل العسكري البحري، بينما ارتفع صوتٌ آخر أكثر خطورة: النووي الإيراني.

هذا التحول ليس تفصيلاً إعلامياً.
بل يبدو كأنه انتقال مدروس من “حافة الحرب المفتوحة” إلى “غرفة التسويات الكبرى”.

ما جرى يوحي بأن ملف هرمز تم تبريده خلف الكواليس.
فالولايات المتحدة تعرف أن أي انفجار هناك سيشعل الاقتصاد العالمي بالكامل، وإيران تعرف أن اللعب بورقة المضيق إلى النهاية قد يفتح أبواب مواجهة لا يريدها الجميع.
لذلك، بدا وكأن الملف أُقفل مؤقتاً… لتبدأ المعركة الحقيقية حول اليورانيوم والتخصيب والضمانات الدولية.

اللافت أكثر، أن اسم روسيا عاد بقوة إلى قلب المشهد.
ليس كوسيطٍ سياسي فقط، بل كـ”خزنة استراتيجية” للاتفاق القادم.

التسريبات المتداولة عن احتمال نقل الجزء الأكبر من اليورانيوم الإيراني المخصب إلى روسيا ليست مجرد تفصيل تقني.
إنها رسالة سياسية وأمنية ضخمة تقول إن موسكو دخلت لتضمن التوازن بين واشنطن وطهران، ولتمنع انهيار المنطقة نحو حرب شاملة.

وهنا تصبح الصورة أوضح:

  • أمريكا تريد تجميد الخطر النووي لسنوات طويلة.
  • إيران تريد رفع الخنق الاقتصادي والحفاظ على النظام.
  • روسيا تريد تثبيت نفسها كضامن دولي لا يمكن تجاوزه.

أما الحديث عن فترة تمتد إلى 15 عاماً من القيود النووية، فهو يعني عملياً محاولة إنتاج نسخة جديدة أكثر صرامة وأطول عمراً من الاتفاق السابق، لكن هذه المرة بضمانة روسية ثقيلة.

السؤال الحقيقي ليس:
هل سيتم الاتفاق؟

بل:
ماذا قبضت إيران مقابل هذا التحول الكبير؟

لأن الانتقال من لغة “هرمز سيشتعل” إلى لغة “اليورانيوم سيُنقل” لا يحدث من فراغ.
هناك أثمان سياسية تُدفع بصمت، وتفاهمات أمنية تُكتب بعيداً عن الكاميرات.

وربما أخطر ما في المشهد، أن المنطقة كلّها بدأت تستوعب حقيقة جديدة:
الحرب الكبرى التي خاف منها الجميع قد لا تنتهي بانتصار طرف على آخر… بل بتقاسم النفوذ فوق الطاولة.

روسيا تمسك باليورانيوم.
أمريكا تمسك بالعقوبات.
إيران تتمسك ببقاء النظام.
والشرق الأوسط كله ينتظر الإعلان الرسمي عن صفقة لم تُعلن بعد… لكن رائحتها تملأ المنطقة.

والأكثر لفتاً في المشهد، أن كل هذه التحولات تتزامن مع الحديث عن تقارب دولي أكبر يتجاوز إيران نفسها.
فزيارة الرئيس الأميركي إلى لا تبدو بعيدة عن هذا السياق، بل قد تكون جزءاً من محاولة إنتاج تفاهم استراتيجي عالمي جديد يهدف إلى إخماد بؤر الانفجار الكبرى في الشرق الأوسط، وإعادة توزيع النفوذ بهدوء بين القوى الكبرى.
وكأن واشنطن تحاول بيع “نهاية الحرب” ليس للإيرانيين فقط… بل للصينيين أيضاً، ضمن صفقة استقرار طويلة تمنع انفجار المنطقة في لحظة دولية شديدة الحساسية اقتصادياً وعسكرياً.
عندها، لا يعود الملف النووي مجرد قضية تخصيب يورانيوم… بل يصبح جزءاً من هندسة عالم جديد تُكتب ملامحه بين موسكو وواشنطن وبكين وطهران، بعيداً عن ضجيج الإعلام.