«الاستدراج الكبير: صور والنبطية ومعركة المدن التي تنتظر إسرائيل»
د.جمال خليفة
في جنوب لبنان، لا يبدو المشهد العسكري مجرد تقدّم إسرائيلي مقابل تراجع لحزب الله، بل أقرب إلى إعادة تشكيل لجغرافيا الاشتباك. فالتوغلات التي شهدتها بعض القرى والمناطق شمال نهر الزهراني تطرح سؤالاً أكثر خطورة من مسألة السيطرة الميدانية نفسها: الانسحاب الظاهر هو انهيار دفاعي فعلاً، أم جزء من عملية استدراج محسوبة نحو ساحات قتل حضرية أُعدّت مسبقاً؟
المعطيات الميدانية تشير إلى أن حزب الله يتجنب حتى الآن خوض مواجهة استنزاف واسعة في القرى المفتوحة أو المناطق الزراعية المكشوفة، مفضلاً إعادة توزيع خطوط الاشتباك باتجاه العمق المديني، حيث تختلف قواعد الحرب بالكامل. فالقتال داخل المدن لا يشبه السيطرة على التلال أو الأحراج أو القرى الحدودية الصغيرة، بل يتحول إلى حرب شوارع واستخبارات ومفاجآت نارية ومساحات ضيقة تفقد فيها التكنولوجيا جزءاً كبيراً من تفوقها.
ومن هنا تبرز مدينتا صور والنبطية كعقدتين مركزيتين في أي سيناريو تصعيد قادم. فهاتان المدينتان لا تمثلان مجرد مراكز سكانية، بل بيئتين معقدتين ميدانياً وأمنياً، حيث الكثافة العمرانية والأنفاق المحتملة والخلايا المتحركة والقدرة على تنفيذ كمائن متعددة الطبقات. أي دخول بري واسع إليهما قد يحول الجيش الإسرائيلي من قوة هجومية سريعة إلى هدف دائم داخل بيئة معادية يصعب ضبطها.
التقديرات الميدانية تتحدث عن احتمال وجود “فخ استنزاف طويل” أكثر منه مواجهة تقليدية مباشرة. أي السماح للقوات الإسرائيلية بالتوغل التدريجي ثم نقل المعركة إلى مناطق حضرية تستهلك الوقت والقدرات وتفرض أثماناً بشرية ونفسية مرتفعة. وهذا النوع من الحروب تحديداً شكّل تاريخياً نقطة ضعف لأي جيش نظامي يواجه مجموعات تعتمد حرب العصابات والمرونة الميدانية.
ولا يمكن فصل هذا المشهد عن القوى المؤازرة العاملة إلى جانب حزب الله. فالفصائل الفلسطينية المنتشرة داخل بعض المخيمات والمناطق الجنوبية، إضافة إلى مجموعات لبنانية حليفة كعناصر من الحزب السوري القومي الاجتماعي وتنظيمات رديفة أخرى، تشكل عملياً شبكة دعم قتالي ولوجستي واستخباراتي قد تتحول في أي معركة مدن إلى عنصر حاسم في عمليات الرصد والمباغتة والإسناد الناري.
الخطير في المشهد الحالي أن إسرائيل قد تكون أمام معضلة مزدوجة: فعدم التقدم سيُقرأ كعجز عن فرض وقائع ميدانية جديدة، بينما التوغل العميق داخل المدن الجنوبية قد يفتح باباً لحرب استنزاف مفتوحة لا تشبه العمليات الحدودية السريعة التي اعتادت عليها المؤسسة العسكرية الإسرائيلية.
في الحروب التقليدية، تُقاس السيطرة بعدد الكيلومترات التي تتقدمها الجيوش. أما في حروب المدن، فالمعادلة تختلف تماماً: الدخول سهل نسبياً، لكن الخروج بأقل الخسائر هو التحدي الحقيقي.
