بوتين: العلوم الإنسانية تزداد أهمية في عصر التحولات الرقمية المتسارعة.. ودعوة إلى تحليل فلسفي “عميق ومسؤول” لتحديات العصر الرقمي في افتتاح مؤتمر دولي بجامعة موسكو يضم 600 مفكر من 30 دولة
موسكو – د. سماهر الخطيب
افتتحت جامعة موسكو الحكومية “لومونوسوف” المؤتمر العلمي والعملي الدولي “فلسفة المستقبل: الأفكار والمعاني”، في حدث وُصف بأنه من أبرز الفعاليات الدولية في مجالات الفلسفة والعلوم الاجتماعية والإنسانية لهذا العام، وذلك بعد أن وجّه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين رسالة ترحيب إلى المشاركين فيه مساء يوم الجمعة الموافق 26 يونيو 2026.
رسالة بوتين: دعوة إلى تحليل فلسفي “عميق ومسؤول” في مواجهة تحولات العصر الرقمي
استهلّ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين رسالته بعبارة وجّهها إلى المشاركين بصفة “الأصدقاء الأعزاء”، في لمسة شخصية لافتة اعتاد الكرملين توجيهها في الرسائل الرئاسية الموجهة إلى الفعاليات العلمية والثقافية الكبرى، قبل أن يعلن ترحيبه الرسمي بهم في المؤتمر الذي وصفه بأنه يمثل منصة جامعة لنقاش جاد وشامل حول القضايا الإنسانية والحضارية.
ولم يقتصر بوتين في تقييمه للحدث على وصفه بكونه لقاءً أكاديمياً تقليدياً، بل ذهب إلى وصف القضايا المطروحة فيه بأنها تحمل “أهمية بالغة” ليس لروسيا فقط، بل لمستقبل الإنسانية جمعاء، في إشارة إلى الطموح الفكري الذي يسعى المنظمون إلى إعطائه لهذا المؤتمر بوصفه حدثاً ذا بعد كوني وليس مجرد تجمع أكاديمي محلي.
وفي محور أساسي من رسالته، توقف الرئيس الروسي عند طبيعة الحقبة الراهنة التي وصفها بأنها “عصر التغيرات التكنولوجية والاجتماعية والثقافية السريعة”، في عبارة تحمل دلالة مزدوجة: فهي من جهة تقرّ بأن سرعة التحول التكنولوجي باتت تفرض إعادة نظر شاملة في الأطر الفكرية التي يفهم بها الإنسان ذاته ومجتمعه، ومن جهة أخرى تربط هذا التحول بأبعاد اجتماعية وثقافية لا تقل أهمية عن البعد التقني نفسه.
وعلى هذا الأساس، أكد بوتين أن “أهمية العلوم الإنسانية والدراسات الإنسانية تتزايد باستمرار”، في تصريح يمكن قراءته كرسالة ضمنية موجهة إلى دوائر صنع القرار والمؤسسات التعليمية على حد سواء، مفادها أن الانشغال المتزايد بالتقدم التقني والذكاء الاصطناعي لا ينبغي أن يكون على حساب التفكير الفلسفي والإنساني، بل ينبغي أن يسير بالتوازي معه.
وشدد الرئيس الروسي على أن “هناك حاجة متنامية” إلى ما وصفه بـ”تحليل فلسفي عميق ومسؤول” للتطورات الجارية وتحديات العصر، وهي صياغة تحمل في ذاتها معيارين دقيقين: العمق، بما يعنيه من تجاوز السطحية في التعامل مع القضايا الكبرى وعدم الاستسهال في تفسير ظواهر معقدة كالتحول الرقمي وتأثيره المجتمعي؛ والمسؤولية، بما تحمله من ضرورة أن يكون هذا التحليل الفلسفي مدركاً لتبعاته العملية وأثره على صناعة القرار العام وعلى وعي المجتمعات، لا أن يبقى حبيس الأطر النظرية البحتة.
وانتقل بوتين بعد ذلك إلى ما يمكن اعتباره جوهر رسالته الفكرية، حيث طرح سلسلة من التساؤلات الوجودية والمستقبلية التي اعتبرها محورية لفهم الاتجاه الذي يسير نحوه العالم. فتساءل أولاً عن “الشكل الذي ستتخذه حياة الإنسان في عالم تتشكل ملامحه بصورة متزايدة بفعل التقنيات الرقمية”، في إشارة إلى أن التحول لم يعد مقتصرًا على الأدوات والوسائل، بل بدأ يعيد تشكيل نمط الحياة اليومية ذاته. وتساءل ثانياً عن “مآل تصوراتنا ومفاهيمنا عن الحياة في ظل هذا التحول”، في طرح يحمل بعداً فلسفياً أعمق يتجاوز السؤال التقني إلى سؤال القيمة والمعنى: كيف يعيد الإنسان تعريف وجوده وغاياته في عالم تتغير فيه قواعد الزمن والمكان والتفاعل الاجتماعي؟. وتساءل ثالثاً عن “الأسس التي سيُبنى عليها التفاعل المستقبلي، سواء على مستوى الأفراد أو على مستوى الثقافات والحضارات المختلفة”، في إشارة ضمنية إلى قضايا التعددية الثقافية والتعايش الحضاري التي تشكل أحد المحاور الفكرية البارزة في الخطاب الروسي المعاصر حول “العالم متعدد الأقطاب“.
ولم يفصل الرئيس الروسي بين هذا الطرح الفكري وبين تقييمه للمؤتمر نفسه كفضاء لمعالجة هذه التساؤلات، حيث وصف اجتماع هذا الحشد الكبير من العلماء والباحثين والخبراء بأنه يمثل “فرصة ممتازة” لإجراء حوار أكاديمي مثمر، شريطة أن يقوم هذا الحوار على مبدأين أساسيين أكد عليهما صراحة: “الانفتاح في تبادل الآراء، والاحترام المتبادل بين المشاركين”، في صياغة تعكس حرص الرسالة الرئاسية على تأطير المؤتمر بوصفه فضاءً للتلاقي الفكري بين توجهات وثقافات متعددة، بعيداً عن أي طابع انغلاقي أو أحادي.
واختتم بوتين رسالته بالتعبير عن أمنياته للمشاركين بتحقيق “كل التوفيق” في أعمالهم، مرفقاً ذلك بتمنياته لهم بـ”الإلهام الخلّاق” بوصفه “شرطاً ضرورياً لأي إنتاج فكري حقيقي“، وبتحقيق “إنجازات علمية جديدة” تضيف إلى المسار البحثي للمشاركين ولمؤسساتهم. وحملت هذه الخاتمة، تأكيداً ضمنياً على أن الرسالة لم تكن مجرد تحية بروتوكولية عابرة، بل محاولة لوضع إطار فكري وقيمي للمؤتمر ينسجم مع الرؤية التي يطرحها الكرملين بشأن موقع العلوم الإنسانية والفلسفة في مواجهة التحولات الكبرى التي يعيشها العالم المعاصر.
حضور دولي واسع يضم 600 مشارك من 30 دولة
ويشارك في المؤتمر بحسب المعلومات الصادرة عن الجهة المنظمة، أكثر من 600 فيلسوف وباحث وممارس وقائد أعمال وخبير تقني، قادمين من روسيا و30 دولة أخرى، من بينها الصين والولايات المتحدة والمملكة المتحدة والهند وإيران واليابان وكوريا الجنوبية وتركيا وصربيا وبيلاروسيا. ويتناول المشاركون التحولات العالمية التي تؤثر على المجتمع والسياسة والثقافة والتكنولوجيا، إلى جانب استكشاف الأطر الفكرية والأفكار الجديدة التي يمكن أن تقدمها الفلسفة لفهم عالم سريع التغير.
هذا وتصدّرت الجلسة العامة المعنونة “تحديات المستقبل: القضايا الرئيسية ووجهات نظر الفهم العلمي” أجندة اليوم الافتتاحي للمؤتمر، حيث جمعت ممثلين عن المؤسسات الحكومية والأوساط الأكاديمية والتعليم وقطاع التكنولوجيا ومجتمع الأعمال في نقاش مشترك.
شخصيات فكرية عالمية بارزة بين المتحدثين
كما ضم برنامج المؤتمر عدداً من الأسماء الفكرية ذات الحضور العالمي، من أبرزها المفكر الصيني تشانغ ويوي، أحد أبرز المفكرين في الصين المعاصرة وصاحب مفهوم “دولة الحضارة” المؤثر، والذي يرى أن “التحديث لا يستلزم بالضرورة تبني النماذج السياسية والثقافية الغربية”، وقد حققت كتبه مبيعات عالمية ضخمة بلغت ملايين النسخ.
وكان من المشاركين ريتشارد ساكوا، وهو أحد أبرز الخبراء البريطانيين في العلاقات بين روسيا والغرب، والمعروف بمواقفه الناقدة لتوسيع حلف الناتو، والذي يرى أن “هذا التوسع ساهم في تفاقم التوترات الجيوسياسية المعاصرة“. وشارك أيضاً الباحث الهندي سانجاي كومار باندي، المتخصص في فضاء ما بعد الاتحاد السوفيتي والمعتبر مرجعاً في مجال الأمن الأوراسي والشؤون الإقليمية.
ومن بين الحضور البارز أيضاً الفيلسوف نيك لاند، وهو أحد أكثر الفلاسفة تأثيراً وإثارة للجدل في العصر الحديث، والذي يجادل بأن ا”لقوى الأساسية المشكّلة للقرن الحادي والعشرين لم تعد الدول وحدها، بل التكنولوجيا ورأس المال والذكاء الاصطناعي”.
مشاركة روسية واسعة من الأوساط الأكاديمية والسياسية
وقد شملت قائمة المشاركين الروس عدداً من الشخصيات الأكاديمية والسياسية، من أبرزها:
* ألكسندر دوغين – فيلسوف ومفكر سياسي، ومدير مركز البحوث والتعليم التابع لمدرسة إيلين العليا للعلوم السياسية.
* أليكسي كوزيريف – القائم بأعمال عميد كلية الفلسفة بجامعة موسكو الحكومية “لومونوسوف”، وأحد أبرز مؤرخي الفلسفة في روسيا.
* أندريه شوتوف – رئيس الجمعية الروسية لعلماء السياسة.
* أندريه بولوسين – مبتكر مشروع “الحمض النووي لروسيا” ونائب رئيس الأكاديمية الرئاسية.
* فيليكس أزيموف – عميد كلية العلوم الإنسانية في جامعة HSE، وهي أكبر كلية في أوروبا في مجال العلوم الاجتماعية والإنسانية.
* أوليغ ماتفيشيف – نائب رئيس لجنة في مجلس الدوما.
* سيرجي فولودينكوف – دكتور في العلوم السياسية ومدير معهد الهندسة الاجتماعية التابع للمنصة الرئاسية “روسيا – أرض الفرص”.
كما ضم المؤتمر حضوراً واسعاً من العلماء والباحثين والخبراء الروس المتميزين في مجالات الفلسفة والعلوم الاجتماعية والسياسة العامة والتكنولوجيا.
أجندة اليوم الأول: السيادة والحوكمة في عالم متعدد الأقطاب
ناقش المشاركون خلال اليوم الأول من المؤتمر مناهج مبتكرة في البحث الفلسفي، إلى جانب رؤى مستقبلية متباينة واتجاهات فلسفية ناشئة، فضلًا عن دور الدولة في عالم متعدد الأقطاب بشكل متزايد، مع تخصيص اهتمام خاص لقضايا السيادة والحوكمة والتطور الحضاري في ظل التغيرات العالمية العميقة.
اليوم الثاني: التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي ومستقبل الشباب
ويستمر المؤتمر يوم 27 يونيو بجلسات موضوعية مخصصة لمستقبل البشرية والمجتمع والتكنولوجيا، تضم مناقشات علمية وحلقات نقاش وجلسات حوار بمشاركة ممثلين عن كبرى شركات التكنولوجيا والشركات الناشئة في مجال تكنولوجيا المعلومات والمؤسسات المالية، إلى جانب خبراء في الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي.
كما تُعقد مائدة مستديرة خاصة بعنوان “الشباب والمستقبل: التحديات وآفاق التنمية“، تجمع فلاسفة شباباً من جامعات روسية رائدة، يقدمون فيها رؤاهم وسيناريوهاتهم المستقبلية لتنمية روسيا.
ويختتم المؤتمر أعماله بإعداد بيان مشترك يعبّر عن التزام المشاركين بتعزيز وتوسيع التعاون الدولي في مجال البحوث الإنسانية.
جهات تنظيمية رفيعة
ينظَّم المؤتمر بقيادة جامعة موسكو الحكومية “لومونوسوف”، وبدعم من الجامعة الحكومية الروسية للعلوم الإنسانية (RSUH)، وجامعة الاقتصاد العالي (HSE)، ومعهد الاقتصاد العالمي والعلاقات الدولية (IMEMO) التابع للأكاديمية الروسية للعلوم، والأكاديمية الرئاسية الروسية للاقتصاد الوطني والإدارة العامة (RANEPA)، ومعهد الخبراء للبحوث الاجتماعية.
