FEATUREDGeneralTOP STORIES

الحدود الشمالية في مرمى التحصين: من مراقبة الحدود إلى منع الاختراق

د.جمال خليفة

تشير معطيات ميدانية إلى أن الجيش اللبناني اتخذ خلال الفترة الأخيرة إجراءات تحصينية على أجزاء من الحدود الشمالية مع سوريا، شملت إقامة سواتر وعوائق مادية في عدد من المقاطع الحدودية، من بينها مناطق تمتد على محور جوسيه باتجاه المشرفة، إضافة إلى إجراءات مماثلة بمحاذاة منطقة وادي خالد. وتتميز هذه الإجراءات، وفق المعطيات المتوافرة، بكونها لا تقتصر على تعزيز المراقبة أو الحد من عمليات التهريب، بل تهدف في جانب منها إلى إغلاق المسالك أمام حركة الآليات والمركبات ومنع استخدامها للعبور من خارج المعابر الرسمية.

وتكتسب هذه الإجراءات أهمية خاصة عند النظر إلى طبيعة الحدود الشمالية، حيث تختلف آليات مكافحة التهريب عن إجراءات منع الاختراق. فالتهريب يعتمد عادةً على مراقبة المعابر غير الشرعية والدوريات والاستطلاع، بينما تؤدي السواتر والعوائق المادية الممتدة على مساحات واسعة وظيفة مختلفة تتمثل في الحد من قدرة المركبات والآليات على اختراق الحدود أو الانتقال السريع عبر المسالك الترابية.

ومن المنظور الأمني، يمكن قراءة هذه الإجراءات باعتبارها انتقالًا تدريجيًا من مفهوم «مراقبة الحدود» إلى مفهوم «منع اختراق الحدود». وهذا لا يعني بالضرورة وجود قرار لبناني بالاستعداد لمواجهة عسكرية مباشرة مع الجيش السوري، لكنه يعكس، في الحد الأدنى، ارتفاع مستوى الحساسية الأمنية تجاه أي حركة غير منسقة عبر الحدود، سواء كانت مرتبطة بالتهريب أو بالمجموعات المسلحة أو بأي نشاط قد يشكل تهديدًا للسيادة اللبنانية.

وتضيف معطيات ميدانية أخرى بُعدًا جديدًا إلى هذه القراءة، إذ تشير إلى وجود أعمال تحصين أو سواتر ترابية داخل الأراضي اللبنانية، في المنطقة الممتدة بين الهرمل ومحور جوسيه، ضمن نطاق يُعتقد بوجود بنية أمنية وعسكرية لحزب الله فيه. وفي حال تأكد أن هذه الأعمال حديثة ومتزامنة زمنيًا مع التحصينات التي ينفذها الجيش اللبناني على خط الحدود، فإن ذلك يفتح بابًا أمام قراءة أمنية أوسع للمشهد، لجهة احتمال وجود إجراءات احترازية متوازية على المستويين الرسمي والحزبي.

غير أن هذه المعطيات تحتاج إلى فصل واضح بين الرصد والاستنتاج. فوجود سواتر أو عوائق داخلية لا يثبت وحده أنها أُنشئت استعدادًا لمعركة محددة أو أنها موجهة ضد الجيش السوري، إذ يمكن أن تكون لها وظائف أمنية متعددة، بينها حماية مواقع أو تنظيم حركة المركبات أو تعزيز إجراءات الحماية في منطقة حساسة. إلا أن التزامن بين تحصينات الحدود الخارجية والعوائق الموجودة في العمق، إذا ثبت ميدانيًا، يبقى مؤشرًا يستحق المتابعة والتحقق.

وفي حال كانت التحصينات الحدودية للجيش اللبناني تهدف إلى منع دخول الآليات والمركبات من المسالك غير الرسمية، بينما توجد في الوقت نفسه عوائق أو سواتر داخلية على امتداد المحور الجغرافي نفسه، فإن المشهد قد يعكس توجهًا عامًا نحو تشديد السيطرة على الحركة في المنطقة الحدودية، بحيث تصبح الحدود أكثر صعوبة أمام أي حركة غير منسقة، سواء كانت لأغراض التهريب أو لأسباب أمنية أخرى.

وتزداد أهمية هذه الإجراءات في حال ترافقت مع مؤشرات أخرى، مثل تعزيز الانتشار العسكري، تكثيف الدوريات، رفع الجاهزية، إنشاء نقاط مراقبة إضافية أو تغيير طبيعة الانتشار في المناطق الحدودية. عندها يمكن النظر إلى التحصينات باعتبارها جزءًا من منظومة أمنية أوسع، وليس مجرد إجراءات روتينية لضبط الحدود.

وفي السيناريو الافتراضي الذي يشهد محاولة دخول قوة عسكرية أو آليات من الجانب السوري إلى الأراضي اللبنانية من دون تنسيق أو موافقة رسمية من الدولة اللبنانية، فإن وجود هذه العوائق قد يؤدي إلى إبطاء حركة التقدم ومنع الانتقال السريع للمركبات، ما يمنح القوات المنتشرة على الجانب اللبناني وقتًا للتعامل مع الموقف سياسيًا وأمنيًا قبل تحوله إلى مواجهة واسعة.

لكن يبقى من الضروري الفصل بين التحصين الحدودي وبين الاستعداد لحرب. فالسواتر، مهما كان حجمها، لا تشكل وحدها دليلًا قاطعًا على توقع مواجهة عسكرية بين الجيشين اللبناني والسوري، كما أن وجود تحصينات داخلية في منطقة ينتشر فيها حزب الله لا يكفي وحده لإثبات وجود قرار بالمواجهة. إلا أن طبيعة هذه الإجراءات تصبح أكثر دلالة عندما تكون مصممة لإغلاق المسالك أمام الآليات وليس فقط لمنع عبور الأفراد، خصوصًا إذا امتدت على أكثر من محور حدودي وتزامنت مع إجراءات أمنية أخرى.

وبناءً على ذلك، فإن المشهد الحدودي الشمالي يمكن قراءته ضمن ثلاثة مستويات متوازية: المستوى الأول هو تشديد السيطرة على الحدود ومنع التهريب والعبور غير الشرعي، والمستوى الثاني هو اتخاذ إجراءات احترازية لمنع أي اختراق أمني أو عسكري مفاجئ، أما المستوى الثالث فيرتبط بالتوترات الإقليمية واحتمال انتقال تداعياتها إلى الحدود اللبنانية–السورية.

وفي هذه القراءة، يبرز عنصر جديد يتمثل في العلاقة الجغرافية بين خط التحصين الحدودي ومناطق العمق الممتدة من الهرمل باتجاه جوسيه. فإذا تأكد وجود إجراءات تحصينية متزامنة في الجانبين، الرسمي والداخلي، فإن ذلك قد يشير إلى أن المنطقة تشهد رفعًا عامًا لمستوى الإجراءات الأمنية، من دون أن يعني ذلك بالضرورة وجود تنسيق مباشر بين الجهات المختلفة أو أن الهدف منها هو الاستعداد لمواجهة محددة.

الاستنتاج الأبرز هو أن الجيش اللبناني يبدو، وفق المعطيات الميدانية، وكأنه يعزز قدرة الحدود على «منع الحركة» وليس فقط «رصد الحركة». وفي المقابل، فإن وجود عوائق داخلية في العمق، إذا ثبتت حداثتها وتزامنها مع هذه الإجراءات، يضيف طبقة أخرى إلى المشهد الأمني ويجعل المنطقة بحاجة إلى مراقبة دقيقة للتطورات اللاحقة.

وهنا يصبح السؤال الأساسي الذي يستحق المتابعة هو: هل نحن أمام إجراءات منفصلة فرضتها اعتبارات أمنية مختلفة، أم أن هناك تحولًا أوسع في طبيعة التعامل مع الحدود الشمالية، بحيث يجري الانتقال من سياسة مراقبة الحدود إلى سياسة تحصينها ومنع أي اختراق محتمل؟

وفي حال استمرار هذه الإجراءات بالتزامن مع أي تعزيزات عسكرية أو تغييرات في الانتشار على الجانب السوري من الحدود، فإن المنطقة الشمالية قد تدخل مرحلة جديدة من التشدد الأمني، يصبح فيها عامل الردع ومنع الاختراق جزءًا أساسيًا من استراتيجية حماية الحدود. وفي هذه الحالة، فإن أي حادث ميداني، مهما كان محدودًا، قد يحمل قابلية للتصعيد إذا ترافق مع سوء تقدير أو غياب قنوات التنسيق بين الأطراف المعنية.

وعليه، فإن السواتر الحدودية التي يجري إنشاؤها، إلى جانب التحصينات أو العوائق الداخلية التي يجري رصدها في بعض المناطق، لا ينبغي النظر إليها بمعزل عن المشهد الأمني العام. فهي قد تكون في ظاهرها إجراءات لضبط الحدود وحماية المواقع، لكنها في القراءة الأوسع تعكس تشددًا متزايدًا في التعامل مع الحركة داخل المنطقة الحدودية. ويبقى تطور هذه الإجراءات، وتوقيتها، واتساع نطاقها، وتزامنها مع أي تغييرات في الانتشار العسكري على جانبي الحدود، من أهم المؤشرات التي ينبغي مراقبتها لتحديد ما إذا كانت المنطقة تتجه نحو مزيد من الاحتواء الأمني أم نحو مرحلة جديدة من التوتر.