General

مستقبل العلاقة مع أمريكا من وجهة نظر خليجية                د.سماهر الخطيب

الإثنين ٢٣ آذار ٢٠٢٦ – 00:00

    لا تزال منطقة الشرق الأوسط برمتها تحت الخطر جراء التصعيد في الصراع الإسرائيلي-الأمريكي والإيراني، بعد الحرب التي أعلنتها كل من واشنطن وتل أبيب على إيران في 28 من فبراير الماضي بهدف إسقاط نظامها. حيث طالت الصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية دول الخليج منذ اليوم الأول لوجود القواعد الأمريكية فيها.
    التطورات الأخيرة
    مع استمرار الضربات الجوية المكثفة، وإطلاق الصواريخ والمسيرات بين إسرائيل وإيران، أكدت وزارة الدفاع التركية أن دفاعات الناتو اعترضت صاروخًا باليستيًا ثالثًا أطلق من إيران باتجاه الأراضي التركية. فيما إستهدفت إسرائيل منشأة “طالقان” ضمن ‌مجمع ⁠بارشين العسكري في طهران، والتي تستخدم في البرنامج النووي الإيراني.
    وقد أعلنت وزارة الدفاع السعودية عن إسقاط دفاعاتها الجوية ما يقرب من 50 طائرة مسيرة خلال ساعات قليلة، استهدفت مناطق في الشرقية والوسطى، بما في ذلك حي السفارات في الرياض. فيما أكدت وزارة الدفاع الإماراتية اعتراض 278 صاروخًا باليستيًا و15 صاروخ كروز و1540 طائرة مسيرة منذ بداية الحرب.
    الآثار الناجمة عن الحرب على دول الخليج
    لا شك أن سماء الخليج لم تعد فضاءً محايدًا أو آمنًا، بل تحولت إلى ساحة رئيسية للهجمات الإيرانية الانتقامية، التي استهدفت الوجود الأمريكي والمصالح الحيوية في المنطقة. إذ تُشير الإحصائيات إلى أن دول الخليج تعرضت لوابل من الهجمات فاق بكثير ما استهدف إسرائيل نفسها، فخلال الأيام العشرة الأولى فقط من الحرب، أطلقت إيران نحو 5970 صاروخًا باليستيًا وطائرة مسيرة باتجاه دول الخليج، مما فرض على السكان والمقيمين واقعاً جديداً تطبعه أصوات صفارات الإنذار والانفجارات.
    ولم تقتصر الهجمات على الأهداف العسكرية، بل طالت مراكز الطاقة الحيوية والمناطق المدنية. فقد اضطرت قطر إلى وقف إنتاج الغاز في مجمعي مسيعيد ورأس لفان بسبب الهجمات، وأوقفت السعودية العمل في مصفاة رأس تنورة بعد اندلاع حريق هائل، كما اندلع حريق في منشأة الفجيرة النفطية بالإمارات، وأعلنت البحرين وقف الشحنات من منشأة بابكو النفطية بحكم القوة القاهرة. كما تعرضت مطارات مدنية رئيسية مثل مطار دبي الدولي ومطار الكويت الدولي لأضرار، وتوقفت الرحلات فيها.
    وفي المحصلة، أصبحت دول الخليج ضليعة في حرب لم تكن تريدها أبداً، بل حاولت عبر دعم المفاوضات الحياد عنها. وهي اليوم لم تعد “ملاذاً آمناً” كما كانت لعقود.
    وبالنسبة للإقتصاد الخليجي
    وقد أسفرت الحرب عن تداعيات اقتصادية عميقة على دول الخليج، تمثلت على المدى القريب في صدمة أسواق الطاقة بإغلاق مضيق هرمز وقفز أسعار النفط فوق 100 دولار، وانهيار قطاعي الطيران والسياحة بإلغاء أكثر من 40 ألف رحلة يوميًا وتكبد شركات الطيران خسائر بمليارات الدولارات.
    أما على المدى البعيد، فستواجه دول الخليج زيادة هائلة في الإنفاق الدفاعي على حساب مشاريع التنمية، وإعادة تقييم المخاطر مما يهدد العامل الجاذب للاستثمارات الأجنبية بعد اهتزاز صورة “الملاذ الآمن”، وتعقيد خطط التنويع الاقتصادي (كالسياحة والتكنولوجيا) التي ترتكز على الاستقرار. كما ستعمل هذه الدول على إعادة تقييم تحالفاتها الإستراتيجية مع واشنطن بعد جرها للحرب دون تشاور.
    العلاقة المستقبلية مع واشنطن والمطالبة بالتعويضات
    وبحسب المراقبين، فإن ملامح اليوم التالي للحرب بدأت تتشكل في أذهان صناع القرار الخليجي. فبعد أكثر من أسبوعين من الصواريخ والمسيرات التي أمطرت سماء دول مجلس التعاون، لم تعد العلاقة مع واشنطن كما كانت. الشعور السائد في العواصم الخليجية هو مزيج من الغضب من إيران، والإحباط من واشنطن، والريبة العميقة من أجندة إسرائيل.
    ناهيك عن اهتزاز أسس الصفقة التاريخية القائلة بـ “النفط مقابل الحماية” ، حيث لم تعد الوعود الأمريكية كافية، والخليجيون اليوم يريدون قيمة ملموسة من الشراكة، وإلا فإنهم سيبحثون عن بدائل. كما أن الإحباط من عدم استشارتهم قبل الحرب سيدفع دول الخليج إلى تنويع علاقاتها الدفاعية والاقتصادية، عبر تعميق علاقاتها مع الصين وروسيا في إطار (أوبك+).
    وإذا قلنا بتغيير الاستراتيجيات الخليجية فإن هذا ليس انفصالاً عن أمريكا، بقدر ما هو تحوط استراتيجي لمواجهة تقلبات السياسة الأمريكية، في ظل أن الحرب قد أثبتت أن الوجود العسكري الأمريكي، الذي كان أساسه الردع، تحول إلى هدف مباشر جلب الدمار للبنية التحتية الخليجية. وهذا التناقض سيجعل دول الخليج تفكر جدياً في المرة القادمة قبل أن تضع كل بيضها في السلة الأمريكية.
    ومن هنا يبدو أن المطالبة الخليجية بوقف الحرب هي الأولوية القصوى، ليس فقط من منطلق إنساني، بل من منطلق اقتصادي بحت، فـ “كل يوم يستمر فيه إغلاق مضيق هرمز يكبد اقتصاداتنا خسائر تقدر بمليارات الدولارات. يجب على واشنطن أن تدرك أن استمرار الحرب يعني تآكل الاحتياطيات المالية التي تستثمرها صناديقنا السيادية في السندات الأمريكية”.
    أما بخصوص التعويضات، فهي حق قانوني مستند على مبدأ “المسؤولية عن الأضرار الجانبية”، فإن الولايات المتحدة، بصفتها المهاجم الأساسي، يجب أن تتحمل المسؤولية عن الخسائر الاقتصادية المباشرة التي تكبدتها دول الخليج. ولعل تهديد العواصم الخليجية بسحب استثماراتها الضخمة التي تقدر بتريليونات الدولارات من الولايات المتحدة أو إعادة توجيهها هو رسالة واضحة للأمريكيين بهذا الخصوص.
    وفي السياق، كتب الملياردير الإماراتي خلف الحبتور على منصة “إكس”: “نحن نعرف جيدًا لماذا نتعرض للهجوم، ونعرف أيضًا من جر المنطقة بأكملها إلى هذا التصعيد الخطير دون استشارة من يسميهم “حلفاءه” في المنطقة”، في إشارة منه إلى الإدارة الأمريكية.
    في المحصلة، يبدو أن الحرب الإيرانية-الأمريكية ستجعل العلاقة الخليجية -الأمريكية أكثر اعتماداً على الأمن المشترك، لكنها ستسرّع أيضاً استقلالية الخليج في الطاقة والدفاع وتنويع الشراكات الدولية. ومن هنا ستسعى دول الخليج لتفادي أي أزمات مستقبلية عبر خطط استراتيجية طويلة الأمد توازن بين الحماية الأمريكية من جهة والاعتماد الذاتي من جهة أخرى..